ليست كل المفاوضات تُقاس بما يُقال داخل القاعات، بل بما ستتركه من أثر على حياة الناس خارجها.

لبنان اليوم لا يقف أمام محطة دبلوماسية عادية، بل أمام لحظة قد تعيد رسم جزء من مستقبله. فبعد أشهر من الحرب والدمار والنزوح والخسائر، انتقلت المواجهة من الميدان إلى طاولة التفاوض. وهنا تبدأ معركة مختلفة؛ معركة تحتاج إلى الحكمة بقدر ما تحتاج إلى الثبات، وإلى رؤية وطنية بقدر ما تحتاج إلى الخبرة السياسية.
في مثل هذه اللحظات، لا مكان للمزايدات. فالنجاح لا يكون في رفع سقوف الخطابات، ولا في تسجيل النقاط على الخصوم، بل في القدرة على انتزاع ما يحفظ سيادة لبنان وكرامة شعبه، ويصون حقوقه، ويمنع أن تتحول التضحيات إلى مجرد ذكرى مؤلمة.
ويبقى الجنوب قلب هذه القضية كلها. فهو لم يكن مجرد ساحة مواجهة، بل كان أرضًا عاش أهلها أثمانًا باهظة؛ منازل هُدمت، وأرزاق تعطلت، وعائلات عاشت النزوح والخوف والانتظار. هؤلاء لا ينتظرون كلمات الشكر، بل ينتظرون أن يشعروا بأن وطنهم لم ينسهم، وأن ما تحملوه تُرجم إلى حقوقٍ مصانة، وإلى عودةٍ آمنة وكريمة، وإلى التزامٍ حقيقي بإعادة بناء ما تهدّم.
إن الحفاظ على كرامة لبنان لا يكون بالشعارات، بل بحسن إدارة هذه المرحلة. فالكرامة الوطنية تعني أن يُسمع صوت لبنان باحترام، وأن تُصان سيادته، وأن تُدار المفاوضات بعقلٍ بارد وإرادةٍ ثابتة، بحيث تكون مصلحة اللبنانيين فوق أي اعتبار آخر.
لسنا بحاجة إلى انتصاراتٍ لفظية إذا خسرناها في الواقع، ولا إلى عناوين كبيرة إذا بقي المواطن يدفع وحده ثمن كل مرحلة. ما يحتاجه اللبنانيون هو أن تتحول هذه المفاوضات إلى فرصة لاستعادة حقوق الدولة، وترسيخ سيادتها، وتهيئة الظروف التي تمكّن أبناء الجنوب من العودة إلى حياتهم بكرامة، وتمكّن كل اللبنانيين من النظر إلى المستقبل بثقة أكبر.
قد لا تكون الطريق سهلة، وقد لا تحقق المفاوضات كل ما نطمح إليه، لكن الأوطان تُقاس بقدرتها على حماية حقوقها، وصون كرامة شعبها، وإدارة اللحظات المصيرية بعقل ومسؤولية.
يبقى رجاؤنا أن تخرج هذه المرحلة بما يحفظ سيادة لبنان، ويصون كرامة شعبه، ويمنح الجنوب وأهله ما يستحقونه من عدالة ووفاء واهتمام. فالتاريخ لا يتذكر فقط من خاض المعارك، بل يتذكر أيضًا من عرف كيف يحوّل التضحيات إلى مكاسب وطنية تحفظ كرامة الدولة وحقوق أبنائها وبناتها.
خلودوتارقاسم
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس الموقع



