زلزال انفجار تلة علي الطاهر، يُزلزل الكيان السياسي لطغمة حاكمة منذ عقود

*زلزال انفجار تلة علي الطاهر، يزلزل الكيان السياسي لطغمة حاكمة منذ عقود*
*بقلم ناجي علي أمهز*
فخامة الرئيس جوزاف عون، اكمل طريقك ولا تلتفت لغالبية هؤلاء الساسة، فانت لست منهم ولن تكون منهم، حاسبهم بالقانون والدستور على كل ما فعلوه بالشعب والوطن، وبعد مأساة تلة علي الطاهر الشعب كله خلفك.
بداية اشكر الاعلام الذي تفاعل اخيرا مع بيان بلدة صريفا التي تستنكر الحديث عن منشات عسكرية في داخلها كما صرح احد الاعلاميين في محور المقاومة كي لا يكون مصير البلدة كمصير تلة علي الطاهر التي تحولت الى مأساة وطنية لا تمحى من تاريخ لبنان.
بينما كان الموت والدمار يزداد في الجنوب اجتمع المجلس النيابي قبل اسابيع لزيادة معاشاتهم مع ان غالبيتهم ليسوا بحاجة فقد غرفوا من مال الشعب ومستقبله حتى التخمة، بالامس وعلى مسافة أمتار منهم كان العسكريون الذين أفنوا أعمارهم في خدمة لبنان يتظاهرون من أجل زيادة زهيدة تحفظ شيئًا من كرامتهم، بالمقابل كانت الحرب تستكمل طريقها في بلدٍ يبدو كأنه فقد القدرة على حماية أبنائه.
إننا نعيش في دولة أنهكتها طبقة سياسية أضاعت الودائع، وأغلقت المؤسسات، وشرّدت أبناءها بين الدول، ومن في الداخل نازحين عاطلين عن العمل يعانون ويلات الحرب، ولبنان الخاسر الأكبر.
وفي الجنوب، كانت إسرائيل تحاصر لبنانيين آمنوا بأن المقاومة كانت طريقهم الوحيد لحماية الأرض من الاحتلال. هؤلاء ليسوا صانعي خرائط أو رجال غرف مغلقة، بل هم لبنانيون عاديون لم يملكوا إلا أجسادهم وأرواحهم فقدموها دفاعًا عما آمنوا به. ويبقى السؤال الأقسى: ماذا أعطاهم الوطن؟ وماذا أعطتهم الأمة العربية؟ لا أملك جوابًا يليق بحجم الدم، لكن ما يؤلمني أكثر ليس فقط مشهد المقاومين في تلة علي الطاهر، بل مشهد الأهالي الذين كانوا ينتظرون لحظة بلحظة ليعرفوا مصير أبنائهم المحاصرين بين النار والانفجار، وهم عاجزون عن الوصول إليهم. هناك، لم يكن الموت فكرةً في كتاب، بل كان واقفًا على بعد خطوات من أناس يعرفون أن كل دقيقة قد تكون الأخيرة.
وهنا تحديدًا تصبح المسؤولية الوطنية أكبر من الحسابات السياسية؛ فأين نواب الامة لماذا لا يعتكفون في البرلمان؟ لا يجوز أن تكون الدولة حاضرة في مواسم الانتخابات وغائبة عندما يصبح المواطن بين الحياة والموت، وإلا فماذا يبقى من معناها؟ لقد علّمنا ميشال شيحا أن لبنان فكرة تقوم على الإنسان والحرية والعيش المشترك، وأن الدولة ضمانة وليست سلطة. لهذا، فإن ما جرى في علي الطاهر لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للمزايدة، بل إلى سؤال أمام الضمير الوطني كله.
وأتساءل أيضًا عن النواب الشيعة الذين وصلوا إلى المجلس بأصوات جمهور دفع أثمانًا باهظة ودماء رجالٍ آمنوا بالدفاع عن أرضهم: أين كانوا؟ ولماذا لم نرَ تحركًا سياسيًا وطنيًا حقيقيًا يحول قضية المحاصرين في علي الطاهر إلى قضية لبنانية عامة؟
اين بقية نواب الامة، فحتى لو اختلفنا حول المقاومة، أليس هؤلاء في النهاية لبنانيين؟ أليس من حق المواطن أن يجد دولة تقف إلى جانبه في الخطر؟ يمكن للبنانيين أن يختلفوا في السياسة، وأن يتفقوا على الإنسان، وهذا هو جوهر الوطن.
اين رجال الدين خاصة الشيعة، لماذا لم يتوجهوا باجسادهم الى الجنوب واقاموا سلسلة بشرية حول تلة علي الطاهر لحماية ابنائهم الابطال.
اين الشيعة الذين تقلدوا اعلى وارفع المناصب في الدولة اللبنانية، لماذا لم يتحركوا داخليا وعالميا.
اين اثرياء الشيعة الذين شيدوا القصور والفيلل ليتابهون على اهلهم الفقراء، والذي دمرها الاسرائيلي، لو هذه الاموال صرفت على بناء الانسان الشيعي قبل صرفها على الحجر، الم يكن افضل لهم ولاستمرار دورتهم وحركتهم الاقتصادية.
ثم أين اللبنانيون الذين عاشوا هذا المشهد؟ هل يستطيع أحد أن ينام مطمئنًا فيما هناك أبناء قتلهم الموت وهم أحياء؟ كيف يستطيع وطن أن يواصل حياته طبيعيًا فيما جزء من أبنائه يعيش آخر لحظات حياته تحت الركام؟ وما ذنب الأهالي، أم تنتظر ابنها ولا تعرف إن كان سيعود، وأب يقف عاجزًا أمام مشهد لا يستطيع تغييره؟ إن وجع هؤلاء لا ينتهي بانتهاء الانفجار، لقد عاشوا انتظار موت أبنائهم وهم أحياء.
وهنا يصبح السؤال أكبر من علي الطاهر: أي لبنان نريد؟ لبنان الذي تتقدم فيه المصالح على حياة الناس؟ أم لبنان الذي يتساوى فيه الجميع، ويكون فيه الإنسان قبل الطائفة والزعيم واتباعه؟
أما إعلام «محور المقاومة»، فله سؤال آخر: لماذا لم يتحول ما جرى إلى قضية وطنية جامعة؟ ولماذا لجأ بعض الإعلاميين إلى المقارنات السياسية الكبرى، حتى بدا علي الطاهر وكأنه معركة جيوسياسية تتعلق بمضيق هرمز، بدل أن يكون أولًا قضية إنسانية لبنانية؟ إن القضية في الإنسان الموجود فوق التلة وتحتها، ومن يقلل من أهميتها إنما يقلل من قيمة الرجال الذين كانوا هناك.
إننا نحتاج أن نسأل: كيف وصل لبنان إلى مكان يصبح فيه لبنانيون محاصرون، ودولة عاجزة، وسياسيون منشغلون، وإعلاميون يتجادلون، وأهالي ينتظرون أبناءهم بين الموت والموت؟
وعلى الشيعة في لبنان أن يتوقفوا لحظة أمام الحقيقة؛ ليس المطلوب أن يعيشوا الخوف، بل المطلوب أن يدركوا أن حماية الطائفة لا تكون بالانغلاق، بل بإعادة بناء خطاب سياسي اعلامي يجعل الشيعي اللبناني جزءًا من الحضارة اللبنانية.
فلا وطن يستطيع أن يعيش إذا شعر جزء من أبنائه أنه متروك، ولا طائفة تستطيع أن تحمي مستقبلها إذا بقيت أسيرة خطاب يعزلها.
ولعل المأساة الحقيقية ليست فقط أن يموت الإنسان، بل أن يصبح الموت عاديًا، والانفجار خبرًا، والقرية المهدمة رقمًا، وأن يصبح الإنسان اللبناني “ممذهب” وفي نهاية المطاف أقل أهمية من الحسابات الطائفية.
لهذا أسأل، ولا أجد جوابًا: هل شعر الموت نفسه بما شعرت به تلك الأرواح في علي الطاهر؟ هل شعر بصرخة أمٍ لا تستطيع الوصول إلى ابنها؟ هل شعر بذلك اللبناني الذي أمضى حياته وهو يعتقد أن وطنه سيحميه، ثم اكتشف أن الوطن نفسه يحتاج إلى من ينقذه؟
سلامٌ على تلك الأرواح.
سلامٌ على الأجساد التي دفعت الثمن.
سلامٌ على الأمهات والآباء الذين لا تنتهي حكايتهم بانتهاء المعركة.
سلامٌ على الاطفال الذين كانوا ينتظرون ابائهم.
وسلامٌ على لبنان، إن بقي فيه متسع للحياة.
فالوطن الذي لا يحمي أبناءه، ولا يصغي إلى وجعهم، لا يصبح فقط عاجزًا عن الحياة، إنه يصبح عاجزًا حتى عن الموت بكرامة.



