اليمن حين تتحول الجغرافيا إلى قوة سياسية

اليمن حين تتحول الجغرافيا إلى قوة سياسية
لم تعد اليمن في المعادلة الإقليمية مجرد ساحة مفتوحة على حرب داخلية طويلة، ولم يعد البحر الأحمر هامشًا جغرافيًا يمكن فصله عن الصراع السياسي في المنطقة. ما يحدث اليوم على الساحل اليمني يحمل دلالة تتجاوز حدود المعركة الميدانية، لأن السيطرة على الجغرافيا في هذه المنطقة تعني امتلاك جزء من مفاتيح الحركة الاقتصادية والعسكرية والسياسية بين الشرق والغرب.
تقدّم أنصار الله نحو الساحل الغربي وسيطرتهم على المخا واقترابهم من باب المندب يضعان المشهد أمام سؤال مختلف: من يملك القدرة على التأثير في طرق التجارة والطاقة، يملك ورقة سياسية تتجاوز حجم أرضه وحدود اقتصاده.
وهنا تكمن أهمية اليمن.
لسنوات، حاولت الرياض وحلفاؤها التعامل مع الملف اليمني باعتباره ملفًا يمكن حسمه بالقوة العسكرية أو بالضغط السياسي. الحرب الطويلة أثبتت أن الجغرافيا اليمنية أكثر تعقيدًا من أن تُدار بهذه المعادلة. ومع عودة المواجهة إلى مستويات مرتفعة، يظهر أن أنصار الله يدخلون الجولة الحالية من موقع مختلف عن السنوات الأولى للحرب: خبرة عسكرية متراكمة، قدرة صاروخية ومسيّرات، وخبرة متزايدة في التعامل مع المجال البحري.
المعادلة تغيّرت.
فالتهديد لم يعد يأتي من عمق الجغرافيا اليمنية فقط، بل أصبح قادرًا على الوصول إلى المصالح التي تعتمد عليها الخصوم خارج اليمن. الهجمات الأخيرة التي طالت مناطق ومنشآت في جنوب السعودية، وأوقعت عشرات الإصابات بحسب السلطات السعودية، كشفت أن العمق الاقتصادي والأمني للمملكة يمكن أن يصبح جزءًا من كلفة الحرب.
وهنا تحديدًا تظهر إحدى أهم نقاط القوة في الاستراتيجية اليمنية: نقل كلفة الصراع من ساحة واحدة إلى مساحة أوسع.
عندما تصبح المنشآت النفطية والموانئ وخطوط الملاحة جزءًا من الحسابات العسكرية، تتحول الحرب من نزاع على مدينة أو محافظة إلى أزمة مرتبطة بالاقتصاد الإقليمي والدولي. وهذا ما يجعل باب المندب ورقة شديدة الحساسية؛ فهو ليس مجرد مضيق يمر عبره السفن، وإنما عقدة تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وأي اضطراب فيه يرفع كلفة النقل والطاقة ويضغط على الأسواق.
لهذا السبب تحديدًا، فإن التقدم نحو المخا وجزر حنيش لا يمكن قراءته عسكريًا فقط. إنه يحمل رسالة سياسية: اليمن قادر على تحويل موقعه الجغرافي إلى أداة تفاوض.
السعودية أمام معادلة أكثر تعقيدًا
المشكلة السعودية اليوم لا تتعلق بخسارة موقع ميداني فحسب. الرياض تحاول منذ سنوات الانتقال من سياسة الحرب إلى سياسة الاستثمار والتنمية والانفتاح الاقتصادي، وهي تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة لحماية هذا المسار.
أي تهديد مستمر للمنشآت النفطية أو الموانئ أو طرق التصدير يعني ارتفاع الكلفة الأمنية والاقتصادية، ويضع المملكة أمام خيار صعب: العودة إلى التصعيد العسكري الواسع، بما يحمله ذلك من مخاطر، أو البحث عن تسوية سياسية تمنح أنصار الله وزنًا أكبر مما كانت الرياض مستعدة للاعتراف به.
وهنا يصبح السؤال الأهم: هل تستطيع السعودية فرض معادلة سياسية من دون امتلاك القدرة على فرضها عسكريًا؟
التطورات الأخيرة تشير إلى أن الإجابة ليست سهلة.
باب المندب: الورقة التي تغيّر الحسابات
أهمية باب المندب لا تكمن في مساحته الجغرافية، وإنما في موقعه داخل شبكة التجارة العالمية. ولذلك فإن اقتراب أنصار الله منه يرفع قيمة اليمن في الحسابات الدولية بصورة كبيرة.
ومن هنا يمكن فهم سبب القلق الأميركي والغربي المتزايد من التطورات. فكلما ارتفع مستوى الخطر على الملاحة، ارتفع الضغط الدولي لإعادة ضبط المشهد اليمني. وفي الوقت نفسه، كلما ارتفعت قيمة الموقع اليمني الاستراتيجي، ازدادت قدرة صنعاء على تحويل القوة الميدانية إلى مكاسب سياسية.
هذه هي النقطة التي يجب التوقف عندها:
القوة العسكرية لا تصبح قوة سياسية إلا عندما تستطيع فرض معادلة جديدة على طاولة التفاوض.
وأنصار الله يحاولون اليوم تثبيت هذه المعادلة.
المعركة أكبر من اليمن
الخطأ الذي ترتكبه بعض القراءات هو اختزال ما يجري في اليمن داخل حدود الحرب اليمنية. المشهد أصبح متصلًا بالبحر الأحمر، والسعودية، وإيران، والولايات المتحدة، وأمن الطاقة العالمي.
وهذا يعني أن أي تصعيد كبير في اليمن يمكن أن ينتج تداعيات تتجاوز أطرافه المباشرة. وقد ظهرت هذه الحساسية بوضوح مع ارتفاع المخاوف من اضطراب طرق النفط والتجارة، خصوصًا في ظل التوتر المتزامن حول مضيق هرمز.
من هذه الزاوية، يصبح اليمن صاحب قدرة على التأثير في أكثر من جبهة في الوقت نفسه.
وهنا تحديدًا تتضح فلسفة أنصار الله في إدارة الصراع: تحويل اليمن من دولة يُراد إخضاعها إلى طرف يُحسب حسابه.
قد يختلف الخصوم مع هذه الرؤية، وقد يصفونها بأنها تصعيد يهدد المنطقة، لكن سياسيًا لا يمكن تجاهل النتيجة التي فرضتها سنوات الحرب: لم تنجح القوة العسكرية وحدها في إنتاج يمن خاضع للمعادلة السعودية، ولم تستطع الضغوط الدولية إنهاء نفوذ أنصار الله.
اليوم، يعود الطرفان إلى الميدان، لكنهما لا يعودان إلى النقطة نفسها.
أنصار الله يدخلون المواجهة بخبرة أكبر، وخصومهم يدخلونها وهم يعرفون أن كلفة الحرب لم تعد محصورة داخل الأراضي اليمنية.
وهذا هو جوهر المشهد:
اليمن لا يملك فقط موقعًا على الخريطة؛ اليمن يملك موقعًا قادرًا على تغيير الخريطة السياسية نفسها.
دلال موسى



