اقلام حرة

المسألة السورية وديناميّاتها المعقّدة في لبنان والمنطقة

د. عبداللّه عيسى

تغلي الجغرافيا السياسية في منطقة غرب آسيا على صفيح محاولات تثبيت استتباب الهيمنة الأمريكيّة وتفعيل الأطماع التوسعيّة الإسرائيليّة، أمام اندفاعة تفاقمت منذ اندلاع حرب غزّة، بينما واجهتها “جبهة المقاومة” بصمود إعجازي كبير ولا تزال.
وفي هذا السياق، قذف “دونالد ترامب” بالملف السوري على الملف اللبناني المثقل بالجراح والانقسام ليجعلهما في عين عاصفة واحدة، مع تأكيده المتكرّر على ضرورة إيجاد دور سوري محوري في معادلة تقييد نفوذ “حزب الله” واستنزافه وتفكيك بنيته في لبنان وإخراجه من معادلة التهديد المباشر للكيان الإسرائيلي، وكذلك الحيلولة دون مد نفوذ إيراني جديد. ومن شأن ذلك دفع دمشق وبيروت نحو مسار تسوية إقليميّة شاملة وإلحاقهما بـ “اتفاقيات أبراهام” في المنطقة، وفق معادلة “الاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الاقتصادي مقابل إنهاء الصراع والانخراط في جبهة إقليمية موحدة تحت المظلة الأميركيّة والأمن الإسرائيلي” كما يزعمون.

براغماتيّة محسوبة

إن كلام “ترامب” يأتي بالتوازي مع تناغمه البراغماتي اللافت مع الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” ومشروعه الإقليمي؛ الذي بدوره تلقّف الأمر، ووجّه دعوة رسمية للرئيس السوري “أحمد الشرع” (حاليًّا والجولاني سابقًا) لحضور القمّة السادسة والثلاثين لحلف شمال الأطلسي (الناتو) التي استضافتها العاصمة التركية أنقرة، بوجود قادة دوليّين مثل “دونالد ترامب” نفسه، مما عكس رغبة أنقرة وواشنطن في دمج الإدارة السورية الجديدة سريعًا في المنظومة الدوليّة والإقليميّة، وبناء معادلات أمنيّة جديدة في المنطقة، ودفعها إلى ضبط الحدود وخنق خطوط الإمداد الحيوية ومنع تدفق السلاح نحو لبنان من جهتي الشمال والبقاع.
في هذا الإطار، جاء توضيح الرئيس السوري أن ترامب يتحدث عن “دور مدني وسياسي” وضبط أمني للحدود ولا يقصد تدخلًا عسكريًّا سوريًّا مباشرًا في لبنان، ليبقي الباب مفتوحًا على احتمالاته الملتبسة مع إضافته ما مضمونه، أن استقرار لبنان يهم سوريا مباشرة، لكن أي دور سوري يبقى مشروطًا بالتوافق الداخلي اللبناني.
أما التفسير تتكفّله الوقائع حيث تتواتر تقارير أمنيّة وسياسيّة عن تحضيرات سورية غير اعتياديّة عند الحدود الشماليّة والشرقيّة مع لبنان وفي الشمال اللبناني، مع تحريك بعض القضايا ذات الطابع المذهبي، في محطّات مختلفة منذ إيصال “الشرع” إلى سدّة الحكم في سورية.
إن “ترامب” يستعد لمزيد من الاستهداف للجمهورية الإسلامية الإيرانيّة مستدعيًا تفرّغ الكيان الإسرائيلي لذلك. وهذا ينبّه إلى المنطق عينه الذي جرى عشية إعلان اتفاق وقف إطلاق النار المزعوم (27 تشرين الثاني 2024) وتنفيذ 1701، حيث استعمل فك الارتباط الاستراتيجي السوري مع طهران وإعادة إنتاج السلطة في سورية ولبنان وتوظيف التغيّرات الميدانيّة الأخيرة فيهما، كثمن لتجميد مؤقّت لمعركة “أسهم الشمال” على لبنان، دون إيقاف الاحتلال والعدوان وحصرية الاستباحة الإسرائيلية على الأرض والسيادة والمواطنين اللبنانيين.
مقدّمات ومخرجات الموقف
من أجل جلاء الموقف بعد تقديره، لا بد أن تُأخذ بعين الاعتبار، أربع مقدمات لمقاربة المسألة السورية وعلاقتها بالملف اللبناني، وفق العناصر الآتية:

  1. محمولات الحرب العالميّة المعاصرة على سورية الموقع والدور، وهي حرب دموية ظلاميّة قامت على التكفير والإرهاب والتهجير والذبح، لم تسلم منها عواصم وضواحي وأحياء عربية، ومنها قرى ومدن لبنانية على اختلاف تنوّعها الطائفي والمذهبي، فضلًا عن الخطف والتنكيل بجنود الجيش اللبناني، وهذا تاريخ لا يمكن إنكاره أو طمسه أو تزييفه حتى مع طي صفحة جديدة محتملة، وهو المقابل للسرديات الأخرى التي لا يتورّع عنها الأعداء وأزلامهم.
  2. مخرجات معركة “أسهم الشمال” وفق التسمية الإسرئيليّة، ومعركة “أولي البأس” وفق ما تبنته المقاومة الإسلاميّة؛ التي جاءت بنتائجها السياسية، وقد أرسيت في ديناميّات التفاوض كمكافأة لتجميد الحرب مؤقتًا في 27 تشرين الثاني 2024 استجابة للتهويل الأميركي، وكان الثمن الأساسي بالانقلاب الجيوسياسي للسلطة في سورية ولبنان، ضمن صفقة كبرى، وتعاون أميركي وتركي، ومواكبة إسرائيلية تشترط حرية الحركة في لبنان وسورية، والاستيلاء على مواقع استراتيجيّة وتدمير القدرات العسكريّة، كوتد فعّال على طريق الخطوات التالية في أطماعها التوسعيّة.
  3. صراحة تصريحات المسؤولين الأميركيّين من توم برّاك إلى “رونالد ترامب”، وهنا يبرز استعمال المسألة السورية بما يخدم الأغراض الأميركيّة الكبرى ولا ننسى التصريح حول العودة إلى وضعية بلاد الشام.
  4. أخذ موازين القوى وإطارها وتفاعلاتها القائمة على أرضيّة واقعيّة جديدة، تراعي تزاحم الحسابات والخيارات لكافة الفاعلين، ومنها قبول أنقرة بتفويض سوريا في بعض الملفات الأمنية مما يمنحها فرصة ذهبية لتقليص نفوذ طهران وإسرائيل معًا، وتثبيت زعامتها الإقليمية برعاية أمريكية.
    بناءً على تلك المقدّمات، تتبلور مخرجات الموقف، وفق الآتي:
  5. هناك مشهد بالغ التعقيد في الظروف وتداخل الحسابات أمام المواقف والأحداث، مما يدفع نحو التزام الحذر واليقظة والاستعداد في آن، دون النوم على حرير الاطمئنان أو التأرّق من هواجس تستنزف البنيان.
  6. ضرورة حفظ التاريخ بأمانة واعتزاز وإنصاف لمن كان يدعم المقاومة وخيارها، واعتماد النديّة الذكيّة والناعمة في الخطاب، مع مرونة منسجمة وملائمة لا تتنكّر للتضحيات والمخاطر السابقة والراهنة والمستقبليّة، ولا تقطع الطريق أمام أي صيغة تفوّت على العدو وصوله إلى مبتغاه أو تعرقله وتضعفه على الأقل.
  7. وعي الثوابت والحقائق لموقع وأهميّة سورية الاستراتيجيّة، بالتوازي مع وعي المتغيّرات والتغيّرات، فلا يصح الوقوف عند التاريخ للتاريخ إنما لا بد من استصحاب خلاصاته ودروسه في قراءة ومقاربة اللحظة الراهنة مع تمييز الخصائص دون أي إسقاط. وهذا ما يستدعي إدراك الواقع كما هو، وتسليط الضوء على المصلحة المشتركة.
  8. تبقى لقيادة المقاومة تشخيصها المناسب في اتخاذ أي موقف اتجاه هذا الأمر، مع ما تنطوي عليه من القدرة والخيارات والتحالفات.
    ليس من السهل على النظام السوري الحالي أن يستجيب كيفما كان للإرادة الأميركيّة أو يرضخ على نحو دائم للممارسات الإسرائيليّة، وأن يعرض بقاءه للاهتزاز.
    في لحظة حسّاسة تبنى فيها الأوطان أو تنهار، لا يمكن مقاربة المسألة بسطحية أو ببساطة وسلميّة والتعويل على ما يقال من مواقف أو ما يتم اختزاله من تحليلات؛ وهو ما يقتضي الجهوزيّة التامة لكافة السيناريوهات المحتملة بحكمة وشجاعة والنظر إلى الأمر من منظار مواجهة الهيمنة والاحتلال والعدوان الأميركي والإسرائيلي بضرس قاطع وسيف بتّار ولامع، وفق الاتجاه الصحيح وبالتوقيت المناسب.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس الموقع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى