تفكيك السردية الإسرائيلية في تلة علي الطاهر

كتب أكرم بزي/ كاتب وباحث سياسي
تقتضي قراءة الإعلان الإسرائيلي عن السيطرة على مرتفعات تلة علي الطاهر تفكيك بنية الرواية العسكرية نفسها من الداخل، إذ يكشف التدقيق في المضمون عن ثغرات وتناقضات جوهرية تحول هذا الإعلان إلى مانشيت سياسي أكثر منه تحولًا ميدانيًا حاسمًا.
تطرح الاستعانة بمصطلح السيطرة العملياتية أسئلة تكتيكية حول حدود الإنجاز المزعوم، إذ إن هذا التوصيف لا يعني إطلاقًا بسط نفوذ ميداني شامل أو كامل أو دائم على التلة، بل يعبر عن قدرة نارية أو تحرك مؤقت، ويؤكد الخبراء والعسكريون الإسرائيليون في قراءاتهم المنشورة عبر وسائل الإعلام العبرية أن المصطلح نفسه يبين الفارق الشاسع بين التأثير عن بُعد وبين القدرة على التمركز والبقاء.
تأتي هذه الادعاءات في وقت تواصل فيه المقاومة اعتماد سياسة الغموض البناء منذ أشهر، ممتنعة عن إصدار أي بيانات رسمية تتطرق إلى مجريات المواجهات المباشرة، رغم إعلانات العدو المتكررة عن خسائر في صفوفه أو وقوع استهدافات يتذرع بها لتوسيع نطاق اعتداءاته، ولذلك، فإن عدم صدور رواية مقابلة لا يمكن اعتباره بحال من الأحوال تسليمًا بالادعاءات الإسرائيلية، خصوصًا أن التلة تعرضت على مدى ثلاث سنوات متواصلة لكم كبير من القصف والاستهداف المكثف، وهو معطى أساسي يفسر الطبيعة الخاصة للتعامل الميداني مع هذا الموقع.
تبرز التناقضات في المضمون الفعلي للبيان الإسرائيلي نفسه، والذي أشار إلى أن العمليات الجارية تهدف إلى تحييد البنية التحتية الممتدة تحت الأرض، وأن القوات ستعيد انتشارها دفاعيًا بعد الانتهاء من هذه المهمة، وتطرح هذه الصياغة سؤالًا حول ماهية هذه السيطرة، فإذا كانت الخطط تقضي باستكمال أعمال التحييد ثم الانكفاء لإعادة الانتشار، فإن الإعلان يبدو مرتبطًا بنشاط عسكري محدد ومؤقت يشمل تدمير أجزاء أو أطراف معينة من الموقع يعقبه انسحاب أو إعادة تمركز، وليس بقاءً ميدانيًا دائمًا.
تتضاعف هذه الملاحظات بالنظر إلى أن العدو هو الطرف الذي منح موقع علي الطاهر هذه الأهمية الاستثنائية، مروجًا لوجود منشأة ضخمة واستراتيجية، في حين لم تقدم المقاومة أي أدبيات أو تصريحات تتناول طبيعة هذا الموقع أو مواصفاته، مما يجعل هذا التهويل استعراضًا إسرائيليًا بالدرجة الأولى، وتدعم التقارير العبرية الصادرة عن صحف مثل يديعوت أحرونوت وهآرتس هذا الشك، إذ لفتت في أكثر من مناسبة إلى التناقض بين حجم الضخ الإعلامي العسكري والتكتم على تفاصيل العمليات، معتبرة أن استخدام عبارات فضفاضة مثل إعادة الانتشار وفقًا للوضع يغطي على مخاطر التثبيت الميداني والخشية من التكلفة البشرية.
كذلك، فإن استهداف فتحات الأنفاق أو الحديث عن مساراتها يتضمن خلطًا بين ضرب منافذ محددة وبين السيطرة الفعلية والكاملة على المنشآت أو التلة، أما المقولة الإسرائيلية الجازمة بشأن عدم وجود عناصر إيرانية داخل الموقع، فتفتح باب التساؤل حول كيفية توصل الاحتلال إلى هذا الاستنتاج وما إذا كان يملك معطيات موثوقة بالفعل، أم أن الأمر مجرد ادعاء دعائي يهدف لإيهام الرأي العام بتحقيق إنجاز استخباري، ويضاف إلى ذلك التعاطي مع الموقع باعتباره منشأة واحدة رغم وجود معطيات إسرائيلية سابقة تشير إلى وجود عدد من المنشآت المستهدفة في أوقات متفرقة، مما يرجح فرضية إعادة استخدام السيناريو ذاته دون تقديم وقائع جازمة تثبت نطاق هذه السيطرة.
يتضح التفسير الحقيقي لصدور هذا الإعلان عند فحص التوقيت السياسي، إذ إن لجوء الجيش الإسرائيلي لمثل هذا الإعلان ليلًا وفي اليوم نفسه الذي شهد الإفراج عن الأسرى يعكس رغبة رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، في صناعة نصر عسكري متلفز يرمم به وضعه السياسي والانتخابي الداخلي، وقد انتقدت أوساط إسرائيلية معارضة مرارًا استغلال التطورات الميدانية وتحويل التلال الحساسة إلى أدوات في التسويق الانتخابي، كما يتزامن ذلك مع حقيقة أن إثارة موضوع علي الطاهر لم تبرز إلا بعد توقيع اتفاق الإطار مع السلطة اللبنانية، والذي اتخذه العدو ذريعة لتوسيع عمليات التفجير والنسف.
أما على المستوى الداخلي، فإن ما يشاع عن ضرورة تسليم التلة للجيش اللبناني يصطدم برفض المؤسسة العسكرية الاستلام الفعلي لغياب أي ضمانات أمريكية أو إسرائيلية تمنع العدو من إعادة اقتحام المنشأة، حيث يرفض الجيش تسلم مواقع لا يملك القدرة على الدفاع عنها، وفي السياق ذاته، ينطلق موقف المقاومة من كون تلة علي الطاهر تقع خارج نطاق ترتيبات القرار ألف وسبعمئة وواحد وجنوب نهر الليطاني، وتخضع لمفاهيم الحوار الداخلي واستراتيجية الأمن الوطني، ومن هذا المنطلق رأت المقاومة أنها غير معنية بالرد على الطلب الأمريكي بالتسليم، لا سيما أن الجيش اللبناني لم يطالب المقاومة بذلك أساسًا.



