اقلام حرة

*_انصار الله: السيطرة على باب المندب ومأزق الخيارات الأميركية_*

‎انصار الله: السيطرة على باب المندب ومأزق الخيارات الأميركية

‎كتب أكرم بزي

‎تتوالى التحولات الميدانية الكبرى في الساحل الغربي لليمن لتكشف عن مرحلة تاريخية فارغة ومحورية في صراع الأمة مع قوى الهيمنة والاستكبار العالمي، حيث أثبتت حركة أنصار الله مجدداً قدرتها الفائقة على صنع الميدان وفرض معادلات الردع من موقع القوة والاقتدار.
‎فالسيطرة الاستراتيجية الواسعة التي حققتها قوات الجيش واللجان الشعبية في مدينة “المخا” ومحيط مضيق باب المندب الاستراتيجي، فضلاً عن تأمين جزيرة “زقر” ومجموعة جزر “حنيش” في البحر الأحمر، لا تمثل مجرد تقدم عسكري تكتيكي عابر، بل هي ضربة معلم تعيد رسم خارطة النفوذ الإقليمي والدولي في واحد من أهم الممرات المائية وأكثرها حيوية للتجارة والطاقة العالمية، مؤكدة أن قرار السيادة الوطنية والقرار العسكري في اليمن قد تحرر إلى الأبد من الوصاية الخارجية.
‎إن هذا الانجاز الميداني الباهر يكتسب أبعاده الجيوسياسية الأعمق من خلال موقعه الحساس ضمن المحور الجهادي والمقاوم، حيث تجد القوى الاستعمارية الكبرى وفي مقدمتها الإدارة الأمريكية نفسها أمام مأزق استراتيجي معقد. فعندما تُحكم القوى الحليفة لإيران وطهران نفسها السيطرة على أهم نقطتي اختناق بحري لتجارة الطاقة العالمية، وهما مضيق هرمز ومضيق باب المندب، فإن استراتيجية الخنق البحري المزدوج تتحول إلى واقع ملموس يعجز العقل العسكري الأمريكي عن تفكيكه. وتدرك دوائر صنع القرار في واشنطن أن هذه السيطرة تمنح محور المقاومة ورقة ضغط سياسية واقتصادية غير مسبوقة، تتمثل في القدرة الميدانية الناجزة على تطبيق المعادلة الواضحة بأن أمن الطاقة العالمي وحدة لا تتجزأ، فإما أن ينعم الجميع بالاستقرار والتصدير، أو يناله الخراب والتعطيل. وبدلاً من الاكتفاء بالتفاوض من موقع المدافع، باتت صنعاء اليوم تفرض شروطها وتدير دفة الصراع الإقليمي بكفاءة عالية مستندة إلى ترسانة صواريخها البالستية وطائراتها المسيرة وزوارقها البحرية التي أذلت الغطرسة الأمريكية والبريطانية في مياه البحر الأحمر.
‎وأمام هذا الواقع الميداني الصلب، تتخبط الخيارات الأمريكية وتتكسر الرهانات على صخرة الصمود اليمني العظيم، إذ تقف واشنطن أمام خيارات أحلاها مر ومكلف للغاية. فخيار توسيع العمليات العسكرية المباشرة نحو باب المندب سيؤدي حتماً إلى تشتت الجهد العسكري الأمريكي المنهك أصلاً في فرض حصار وهمي ومحدود في مضيق هرمز، مما يعرض القطع الحربية وحاملات الطائرات الأمريكية لمزيد من الخسائر الفادحة التي باتت مكاتب البنتاغون تعجز عن إخفائها. وأما العودة إلى خيار القصف الجوي العشوائي ضد اليمن، فهو مسار أثبت فشله الذريع ولم يجن منه العدو سوى المزيد من الإصرار اليمني على مواصلة المواجهة، فضلاً عن أن أي اتفاقيات أو تفاهمات سابقة جاءت نتيجة رضوخ العدو للأمر الواقع العسكري. حتى خيار تقديم الدعم اللوجستي والجوي المباشر للمرتزقة والقوى المحلية الموالية للعدوان بات ورقة محروقة لا تملك القدرة على تغيير المعادلة الميدانية أو انتزاع أوراق القوة من يد الجيش اليمني واللجان الشعبية، خصوصاً في ظل تصدع جبهات المرتزقة وتآكل قدراتهم على الأرض.
‎وفي ظل هذا التخبط، يبرز خيار التهدئة واللجوء إلى المناورات السياسية كخيار بائس تعرقل تنفيذه الحسابات الانتخابية الأمريكية الداخلية واقتراب موعد الانتخابات النصفية التي تجعل الإدارة الأمريكية عاجزة عن اتخاذ قرارات شجاعة أو العودة إلى طاولة التفاوض بشروط منصفة. إن القيادة الثورية والسياسية في صنعاء، ممثلة بالسيد عبد الملك بدر الدين الحوثي والمجلس السياسي الأعلى، تثبت يوماً بعد يوم أنها تدير معركة التحرر الوطني بحكمة بالغة وبصيرة نافذة، رابطةً مصير الشعب اليمني العزيز بمظلومية الأمة وقضاياها المركزية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ودعم المقاومة في غزة ولبنان. إن تكاتف الجماهير اليمنية الوفية والتفافها حول القيادة الحكيمة هو الحصن المنيع الذي تحطمت على أبوابه كل المؤامرات، وستظل اليمن شمعة مضيئة في وجه الظلام الاستعماري وسياداً منيعاً يحمي سيادة البحر الأحمر ويسحق كل مشاريع الوصاية والهيمنة الأمريكية والصهيونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى