الموارنة والشيعة

بقلم: ناجي علي أمهز
من الضروري جداً أن يفهم الشيعة العقل الماروني، خاصة في هذه الظروف والمنعطفات التاريخية الحادة. وفي سياق ما يُسرّب ويُروّج له حول سعي فريق سياسي لترشيح شخصية شيعية من خارج بلاد جبيل للمقعد النيابي الشيعي الجبيلي، يهمّني أن أنبّه إلى أن مثل هذا الفعل لا يقبله الجبيليون عموماً، والموارنة خصوصاً، وبالأخص شيعة المنطقة. فالموارنة الجبيليون، الذين يرفضون أن يمثلهم ماروني من خارج جغرافيتهم وتاريخهم، لن يقبلوا لاحد ان يتجاوز الشيعة وخياراتهم، ولن يسمحوا بتحويل هذا الفعل إلى “عرف” غريب عن عاداتهم وقيم العيش المشترك التي صاغتها. اي فريق سياسي سيخوض مثل هذه المغامرات هو الخاسر الأكبر شعبياً وكنسياً، فالنائب الشيعي “المستورد” من خارج المنطقة لن يجد بيئة تحتضنه، ولن يقبل الجبيليون، بوعيهم الفطري والسياسي، أن يمثلهم أي شخص لا ينتمي إلى تراب منطقتهم ونسيجها الاجتماعي.
كان العميد ريمون ادة يردد دائماً أن “من يربح معركة جبيل النيابية هو من يحمي العيش المشترك ويرفض عزل الطرف الآخر”، معتبراً أن إسقاط الخصوصية الشيعية في جبيل هو طعنة لصيغة لبنان ككل.
لذلك اي محاولة في هذا السياق هي طعنة لصيغة وحدة التعايش الجبيلي الوطني.
أما مقالي أمس “العلاقات المسيحية – الشيعية…”. فقد اثار موجةً من ردود الفعل المتناقضة، بين مؤيد ومعارض، وهذا أمر طبيعي. لكن ما كتبته لم يكن رغبة في إثارة الجدل، بل محاولةً لدق ناقوس الخطر، لأن الحقيقة، مهما كانت قاسية، تبقى أفضل من الأوهام التي نعيشها.
وللأسف، لا يزال بعض الشيعة، وربما من بينهم ممثلين وناشطين ومن يدعون انهم منظرين ومعهم ممن يُسمّون أنفسهم “المعارضة الشيعية”، يعتقدون أن مهاجمة حزب الله، أو رفض بعض الممارسات داخل البيئة الشيعية، أو التصعيد ضد إيران، كفيل بأن يجعلهم في نظر الموارنة قادةً أو نخباً أو مفكرين أو أصحاب مشروع سياسي. وهذا اعتقاد خاطئ.
وفي المقابل، هناك فئة أخرى من الشيعة، من مستحدثي النعمة وأصحاب المناصب التي وصلوا إليها بالتزلف والتقرب إلى أصحاب النفوذ، أو ممن تحسنت أوضاعهم المادية فامتلكوا رصيدا بنكيا وبيتاً وسيارة وبعض مظاهر الرفاه، تظن أن إقامة وليمة، أو التقاط صورة تذكارية، أو تقديم هدية ثمينة، يمكن أن يؤثر في القرار الماروني أو يصبح وجيها عند الموارنة. وهذا أيضاً وهم لا يقل خطورة عن الأول.
“كما أن لكلِ مدينةٍ باباً ولكلِ بابٍ مفتاحاً، فإنّ الموارنةَ مفتاحُهم العقل؛ إذ يُجلّون المكانةَ العقليةَ عند الأشخاص ويُبجّلونها، بما يُداني القداسةَ الإيمانيةَ الحقيقية.”
“الموارنة عقل” وبالطبع، يوجد بينهم “إسخريوطيون”، كما في سائر الطوائف والملل، ومن يتاجر بالوطنية ويستثمرها لمصالحه الخاصة. لكن هؤلاء لا يمثلون تاريخ الطائفة ولا وجدانها، بل في لحظة مفصلية فان العقل الماروني يحاسبهم ويرميهم الى مزابل التاريخ.
فالهوية السياسية والثقافية للطائفة المارونية لم تُبنَ على المجاملات ولا على المصالح الآنية، بل تشكلت عبر واحدة من أكثر التجارب الروحية والوجودية عمقاً في تاريخ المشرق. فالوجود الماروني لم يبدأ كحالة “تكتلات”، بل كحياة رهبانية قوامها الصوم الطويل، والتأمل، والزهد، واحتمال الألم والعزلة. عاش الرهبان أشهراً في الكهوف، في ظلام دامس، وبنظام عيش بالغ القسوة، باحثين عن الله قبل أن يبحثوا عن الدنيا. لذلك، فإن خصوصية الموارنة لا تنبع من كونهم مسيحيين فحسب، بل من أن مسيحيتهم تبلورت في مدرسة نسكية صنعت شخصيتهم الجماعية وطبعت رؤيتهم للوجود والحرية والكرامة. هذه التجربة، التي صاغتها قرون من التحولات والصراعات، لا يمكن اختزالها بعلاقة شخصية، أو بموقف إعلامي، أو بمأدبة عابرة.
اوومن يعرف تاريخ الموارنة يدرك أنهم عاشوا تحولات كبرى منذ القرون الأولى للمسيحية، وحافظوا على خصوصية رؤيتهم رغم تبدل الإمبراطوريات والأنظمة “منذ فجر التاريخ الحديث هم قلة”. ولذلك، فإن الرهان على تغيير قناعاتهم من خلال الشعارات، أو المصالح العابرة، أو المظاهر الاجتماعية، هو رهان لا يقوم على فهم حقيقي لهذه التجربة.
نعم الموارنة هم الاقرب الى الشيعة في المشرق، لكن الشيعة الذين يعرفونهم الموارنة من خلال عشرة تاريخية عاشوها.



