
عن الشرّ وأهله
هاني نديم
للأشرار جاذبيةٌ لا تقاوم، يمضون بعيداً في ذاكرتنا بينما يسقط منها الدراويش والطيبون سقوط ورقة الشجر في تشرين، والتفتت لجاذبية الشر السينما ووظفتها أيما توظيف، وبالفعل، فهمت الكاميرات تلك اللعبة جيداً، فما إن يطلّ توفيق الدقن – على سبيل المثال – حتى يأكل الجو وعبدالمنعم مدبولي معاً! وما إن يظهر عادل أدهم حتى تلتفت له كل الجماهير داخل الصالة وخارجها، وإن وضعت صورة محمود ياسين ومحمود المليجي على “أفيش” لهرول الناس للثاني دون أدنى شك. مما يشير إلى تأصل الشرّ في كل نفس كتأصل الخير.
في الحياة، نرى الأشرار في كل مكان، نحبّهم ونودّ أن نكونهم في الكثير من المرات، نحبهم لأنهم يأخذون حقّهم وحقّ من لا يستحق حقاً، بينما تهضم حقوق الطيبين وأعينهم مفتوحة.
ويفرق الأدب عموماً مثله مثل الذاكرة الشعبية بين نوعين من الأشرار، الأول: الشرير الطيب، والآخر الشرير النذل. والطيب من الأشرار هو الصعلوك الذي يأخذ حقوق “الغلابة” أو يتحايل على حق الآخرين ويأخذه لظرف طارئ ما. فالشر فيه غير أصيل إلا بمقدار الحاجة والنزعة الأخلاقية التي تترجم بعنف وشراسة.
وقد يأتي الخير من أنذال الناس فنتعلّق بالحكاية لنرويها بين الناس تشبثاً بالخير وقسماً على الشر بأن يكون عفيفاً وإن جاء من أهله! فعلى سبيل المثال، ومن الموروث الشعبي ما ذكره لي أحد الأصدقاء العراقيين في جلسةٍ إن رجلاً كان يركب في سيارة أجرة عندما أوقفت السائقَ إمرأتان فخبأ القوّاد رأسه وقال للسائق: لا تركب أحدا معي أهرب بسرعة وأنا أعطيك الأجرة كاملة! وحينما استفسر السائق عن هذا التصرف الغريب قال له الراكب: أنا قوّاد معروف في هذه المنطقة.. وأخشى أن يراني أحدٌ مع هاتين المرأتين الحرّتين العفيفتين ويقول عنهما ما لايقال”
ثمة حرب خفية ومعلنة بين الأخلاق والتفلّت، بين الأخلاقيين واللاأخلاقيين، (إن جاز التعبير) إنما هذه الحرب لا تأتي بهذا التصنيف، ومن هو الذي يجرؤ على التصنيف؟ إنها فكرة المنظومة ورفضها. حرب فرضتها الأفكار والفلسفة والتكوين المعرفي والنفسي والفيزلوجي أيضاً. جيشٌ من الأخلاقيين ملأوا العالم أدباً وفكراً مقابل جيشٍ من اللاأخلاقيين ملأوا العالم أدباً وفكراً أيضاً! إننا نتكلم عن مذاهب فلسفية وأدبية هنا، بتصريف آخر؛ اللاأخلاقيون ممن نصنفهم هم أخلاقيون كما يرون أنفسهم ويروننا غير أخلاقيين!
التصنيف هنا مربك وغير منهجي في الدراسات المعيارية للخير والشر، فكما نعلم أن الأخلاق علم معياري وغير قطعي؛ ولكن لنقل إن الأخلاقيين مدعمين بأفلاطون وتلميذه سقراط، مكللين بأرسطو من بعدهم، يتبعهم اسبينوزا وجاك دريدا وغيرهم من المنادين بالمثل العليا يقابلون في معركة قياسية أبيقور وأريستوفانيس ونيشته وأوسكار وايلد وأندريه جيد وبرتارند راسل، وغيرهم من أتباع المذاهب التي لا تعول على الأخلاق وتعتبرها ظرفية ومتبدلة. ستجد كل فريق يكيل الاتهامات للفريق الآخر، يسخر منه ويفند مزاعمه وجميعهم على حق!.
في أثينا، كاد سقراط أن يُعبد لأخلاقه، كان صادقاً ومتواضعاً بكل تلك العلوم التي يحملها بشكلٍ لا يصدق، ذلك الفيلسوف الذي أرّق مضجع حكومة أثينا يريد منها تغيير “نظام العدل” حتى لم تجد بداً من تصفيته، فحكمته بالإعدام لأنه يسمم عقول الشباب، يقول أفلاطون: كان سقراط يستطيع الإفلات والهرب، إلا أنه لم يشأ أن يخرق العرف الاجتماعي ولا أن يسير عكس المبادئ التي نادى بها، فمات”. إن هذا التصرف لدى فلاسفة أخرين كان يشبه النكتة، ويرونه استعراضاً وادعاءً. في مسرحية السُحُب التي ألفها “أريستوفانيس”، وصف “سقراط” بمهرجٍ يلقن تلاميذه كيف يتملّصون من الديون. كما أن أحد أتباع سقراط المخلصين “أتنيستنيس” أسس لمدرسة الكلبية التي من شأنها تقويض كل ما هو ثابت ومعتقد وأن تبالي بالأعراق والمجتمع وأن ترتاب بكل القواعد العامة و”النزاهة” الشرطية.
أولم يسخر أبيقور، مؤسس مذهب اللذة من أفلاطون والأفلاطونيين وأسماههم لاحسي لعاب أو ممثلين؟ نعم، يقول نيتشه: “كان أبيقورساخطاً على أفلاطون مستاءً منه ومن فخامة لباقته، ومن فن تسليط الضوء على نفسه وهو أمر حذق فيه أفلاطون ولم يحذق به أبيقور الذي جلس مختفي في حديقته الخلفية في أثينا وألّف 300 كتاب .. ومن يدري لعله كتبها غيظاً من أفلاطون وشغفاً بالتفوق عليه، لقد مر مئة عام قبل أن يدرك اليونان من هو أبيقور إله الحدائق هذا”.
نقض برتراند راسل المثالية وأفعل عمل المادية، ومثله “هيوم” الذي قال: “إن قواعد الأخلاق ليست ناتج استدلال عقلي، بل نتاج اعتياد الناس على جلب المنافع وتجنب الضرر. إن القيم الأخلاقية متغيرة”، أما نيتشه يقول: “حذار من المرهفين أخلاقياً حذار من أولئك الذين يحرصون حرصاً شديداً على أن نقرّ بلطف أدبهم ورهافة حكمهم الأخلاقي، فهم لا يغفرون لنا البتة إذا ما اخطؤوا أمامنا وتعدّوا حدودهم، (أو اعتدوا علينا بالأحرى) سيصيرون حتماً ممن يقدح ويطعن بنا فطرياً حتى ولو ظلوا أصحابنا”.







