بالمناسبة

الخوف من الدولة المدنية :

الخوف من الدولة المدنية :

كتب: د عماد عكوش 
يجري الحديث اليوم كثيرا” عن الدولة المدنية في لبنان فماذا يعني الدولة المدنية وكيف يتم تطبيقها في الدول وعلى الشعوب ؟
الدولة المدنية هي نقيض الفوضى وهي جهاز تنظيمي لأدارة الدولة وتسيير شؤون مواطنيها وهي نقيض الدولة التسلطية والعنصرية وبالتالي فهي دولة تقوم على الأرادة الشعبية ، هي دولة ديمقراطية تقوم على أحترام الجميع في كل حقوقهم الأنسانية حيث الرقابة والمحاسبة تقوم على عمل المواطن وليس على دينه ، لونه ، أو حتى جنسه .
ومن خصائص الدولة المدنية أنها تتأسس على نظام مدني من العلاقات التي تقوم على السلام والتسامح وقبول الأخر والمساوات في الحقوق والواجبات .
أن الدولة المدنية تفترض أحترام مبدأ المساوات والأندماج الأجتماعي من خلال:
– تطهير القانون من كل شوائب التمييز .
– أنشاء القانون على قيم العدالة وتكافؤ الفرص .
وهذين الشرطين لا يتوفران في النظام اللبناني الطائفي ، والذي يدفع خيرة شبابه وعلمائه الى الهجرة لتحقيق ذاتهم في الخارج حيث يحترم الأنسان لأنسانيته وتحصيله العلمي .
لماذا الخوف من الدولة المدنية ؟
هناك عدة أطراف في لبنان تخاف من الدولة المدنية ، ولكل من هذه الأطراف أسبابه ، فالبعض يخاف من الذوبان ، والبعض يخاف من تفلت الأمور من يده كسلطان ، والبعض يخاف منها حتى لا يفقد أمتيازاته الوظيفية في الدولة اللبنانية والتي تدر عليه أموال طائلة .
الفريق الذي يخاف من الذوبان يفضل الهجرة ودمار البلد على الدولة المدنية كي لا يفقد أمتيازاته الطائفية وهو يعلم جيدا” أن النظام الطائفي لا يمكن أن يبني دولة ولا يمكن أن يؤسس مؤسسات رقابة فاعلة ، ومؤسسات محاسبة منتظمة ، كما يدرك جيدا” أن الفساد هو وليد شرعي لهذا النظام الطائفي ومع ذلك هو يصر على هذا النظام ، عله أذا عاد يوما” بعد الهجرة يكون له موطئ قدم ثابت في هذا البلد .
هذا الفريق جمع خلال فترة حكمه قبل الطائف ثروات كبيرة ووضع يده على كل الأمتيازات والوكالات الحصرية والمراكز الأساسية في الدولة اللبنانية وتمسك بها لغاية العام 1991 تاريخ توقيع أتفاق الطائف والذي نص على توزيع وظائف الفئة الأولى فقط مناصفة بين المسلمين والمسيحيين لكن التطبيق جاء مخالف لهذا الأتفاق ، وجرى توزيع حتى وظائف الفئة الرابعة بين الطوائف دون الأخذ بعين الأعتبار لا لمجلس الخدمة المدنية ولا لكفاءة المتقدمين للوظائف ، مما راكم الفساد في الدولة اللبنانية وأصبحت كل الوظائف محمية من قبل مشغليها وموظفيها وأصبحت كل المراكز الأساسية في الدولة خطوط حمر لا يمكن الأقتراب منها .
وهناك الفريق الذي يخاف من تفلت الأمور من يده كسلطان ، هذا السلطان لن يقبل بالدولة المدنية لأنه لم يتعود على الشراكة والمدنية والديمقراطية بحسب تربيته ، وتعود على أعطاء الأوامر وأن الشعب يمكن شراؤه بصندوق أعاشة أو تنكة زيت ، وهو لا يريد ولا يقبل أن يشاركه في سلطانه أحد .
والفريق الثالث أعتاد على الأستفادة من الوظائف الكثيرة التي تدره عليه مشاركته في توزيع المغانم وبالتالي فلن يقبل التخلي عن هذه المغانم والمكاسب الوظيفية حتى النفس الأخير ، حتى لو أضطر أن يهدم الهيكل على الجميع ، فهو الأمر الناهي وهو يوزع بحضرته على حاشيته بعض من هذه المغانم حتى يضمن أخلاص هذه الحاشية ونزولها للدفاع عنه عند الحاجة أليها .
بعد هذا العرض من منكم يظن أن لبنان يمكن أن ينهض من هذا الأنهيار الحاصل ، نعم يمكن أعطاؤه بعض المورفين حتى لا يسقط بالكامل وحتى لا يتحول الى مركز للفوضى الشاملة في الشرق الأوسط لكن بالتأكيد لن يتقدم ما دام هذا النظام يحكم حياة اللبنانيين .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى