*بقلم: ناجي علي أمهز
منذ عقود اتخذتُ قراراً ليس غريباً عني وأنا “الشيعي” ابن جبيل، بأن أحافظ على التعايش الشيعي المسيحي، ولا سيما الماروني، حتى الرمق الأخير. وكما أن شيعة جبيل وكسروان هم الأصل في هذا التواجد الشيعي الرسمي اليوم في لبنان، فإن واجبنا نحن شيعة المنطقة الحفاظ عليه؛ لأنه لولا شيعة هذه المنطقة لما وُجد اليوم منصب رسمي للشيعة في الأوطان العربية كافة.
لستُ وحدي الشيعي من يقوم بهذا الجهد، بل هناك ايضا لفيف عظيم وكبير من رجالات الكنيسة، وإن كنتُ أخصُّ بالذكر دائماً مثلث الرحمة الأباتي أنطوان ضو، “قديس” التعايش الإسلامي المسيحي، والماروني الشيعي تحديداً. هذا الرجل الذي قدّم للشيعة في الفاتيكان كما قدم اكراما لهم ايضا لطهران في الفاتيكان، ما لم يكن ليحصلوا عليه لولا عطاؤه وبذل نفسه في سبيل هذا التعايش. لم يخطُ خطوة واحدة إلا وكانت في مصلحة هذا التآخي، وكان يردد دائماً قول الإمام علي (ع): “يا دنيا غري غيري”، وقد عاش هذا القول فعلاً لا قولاً، راهباً وناسكاً في محراب الكنيسة، يصلي لكل اللبنانيين، وخصَّ الشيعة بمكانة وافرة.
الأباتي ضو هو أكثر من تأثر بالأب يواكيم مبارك، الذي بدوره قدم للشيعة ما لم يقدمه الشيعة لأنفسهم. إن “آل مبارك” جذورهم عربية أصيلة، ويقال إنهم “تغلبيون” عرب أقحاح اعتنقوا المسيحية، كما أن أصول الشيعة في غالبيتهم “تغلبيون”؛ فنحن كـ “آل أمهز” و”شمص” و”عمرو” وغيرهم، تغلبيون حمدانيون من نسب الأمير الضحاك الحمداني.
تحدث الأب يواكيم مبارك عن “تحالف الجبل”، وتحديداً العائلات الشيعية التي عاشت في مناطق مارونية (مثل بلاد جبيل وكسروان) والعكس، معتبراً أن هذا الاختلاط أنتج “ثقافة عيش” فريدة تفوق السياسة. وهو من أطلق تسمية “الإخوة في المحرومية” عبر التاريخ والجذور المشتركة؛ إذ كان يرى أن الموارنة والشيعة في لبنان يتشاركون تاريخاً طويلاً من “الملاحقة” واللجوء إلى الجبال الوعرة شمالاً وجنوباً للحفاظ على خصوصيتهم الدينية.
اليوم، أتحدث عن وثيقة تُوزع على الشيعة باسم المطران إغناطيوس مبارك، مؤرخة في عام 1944 (أي في بدايات الاستقلال)، تتحدث عن طلبه ضم الجنوب حتى الليطاني إلى فلسطين، ويُذيل موزعوها الرسالة بعبارة: “وتتحدثون عن الشركة والتعايش يا أذناب بريطانيا وفرنسا وإسرائيل؟!”.
لا أعرف ما الغاية من هذا الكلام في هذا الزمن الأسود الأغبر، ولا أفهم ما المراد من هذا الضخ والتحريض، ونحن كشيعة محاصرون من جهات الأرض الأربع، ولا منفذ لنا إلا نحو السماء.
لا أفهم كيف يفكر البعض، وماذا يريدون؟ وهل فكر من يوزع هذه المنشورات للحظة أنه يوجد ما يقارب 200 ألف شيعي يعيشون بين الموارنة في مدن غالبيتها مسيحية؟
هل حاول الشيعة للحظة الاستفادة من علاقة الموارنة بالغرب، أو على الأقل الاستفادة من تجاربهم للوصول إلى مراكز القرار العالمي؟ أم علينا انتظار 500 سنة أخرى حتى تنهار أمريكا كم يتصور المحللين الشيعة، لنبدأ حراكنا السياسي؟
ثم بفرض أصبح العالم كله إسلامياً، هل سيكون للشيعة دور، أم أن القصة مجرد عناد وتسطيح فكري وكلام للاستهلاك فقط؟
دعوني أخبركم أمراً يجب أن يعرفه الجميع: شيعة الجنوب والبقاع لم يكونوا يوماً مع خيار “لبنان الكبير”، بل كانوا ضد الاستقلال رغم كل ما بذله الموارنة لإقناعهم بهذا الخيار ولم يفلحوا. ومع ذلك، كان الموارنة أول من طالب بمنصب رسمي لبناني سيادي للشيعة حتى على حساب الروم. وحتى بعد مرور أكثر من مئة عام، لا يوجد منصب رسمي للشيعة في أي دولة عربية، بل في لبنان فقط؛ ولولا التدخل الأمريكي لإسقاط النظام السابق في العراق، لظل شيعة العراق مغيبين في السجون وعلى مقاصل الإعدام.
الفرق بين الأب يواكيم مبارك والمطران إغناطيوس مبارك، أن الأخير لم يكن رجل دين كاثوليكياً مارونياً فحسب، بل كان سياسياً مطلعاً على أسرار ما يُحاك لمنطقة الشرق الأوسط. وكان يعرف، كما كبار المرحلة أمثال كميل شمعون وسامي الصلح وميشال شيحا وشارل مالك، ما ينتظر المنطقة. وبعد أن فشل طيلة عقدين في إقناع الشيعة بالانضمام إلى “لبنان الكبير”، وبعد مؤتمر وادي الحجير في نيسان 1920 (مثل هذه الأيام)، الذي دعا إليه المرجع السيد عبد الحسين شرف الدين والاقطاعي كامل بك الأسعد لمنع استقلال لبنان الكبير، بدأ بعض رجال الكنيسة، ومن ضمنها المطران إغناطيوس مبارك، بالدعوة لضم هذا الجزء إلى فلسطين.
كان الهدف من ذلك أولاً: كي لا يصبح الجنوب جزءاً من سوريا، فيبقى لبنان محاصراً بالدولة السورية الجديدة من البقاع وصولاً إلى الجنوب. وثانياً: أن ضم الجنوب لم يكن يستهدف الشيعة كمذهب ولا الدروز الذين كانوا أصحاب السلطة آنذاك؛ بل كان يُعتقد أن وجود الدروز والشيعة ضمن فلسطين سيمنح الأقليات دوراً فاعلاً أكبر من انضمامهم إلى سوريا.
اليوم وبعد قرن الا يطالب العلويين والدروز بالانفصال عن سوريا، الم يهجر الشيعة والمسيحيين من سوريا، هل نكفرهم ونتهمهم بان اذناب ومأجورين، ام ان عليهم الموت نحرا وتنكيلا.
كما انه قبل وعد بلفور لم يكن يوجد شيء اسمه القدس في المذهب الشيعي، فقد أدرك غالبية العلماء الشيعة القدامى أن قيمة “القدس” التي سوّق لها الأمويون لتعظيم بيت المقدس (في زمن عبد الملك بن مروان) كانت لغرض سياسي، لمنع الناس من الحج إلى مكة التي كانت تحت حكم ابن الزبير الذي ايضا كان ضد الامام علي (ع) والهاشميين، كي لا يقال ان الشيعة كانوا ينكرون القدس تسويقا لابن الزبير.
علينا الاحتكام إلى العقل. لا يعقل أن نستمر هكذا. كما انني بالختام انا شخص وان كنت ضليع بالتاريخ والسياسة المارونية لكن كل هذا الشد سيقطع “شعرة معاوية” خاصة ان الشيعة والموارنة محكومين بالتعايش والجوار، الكنيسة تعرف هذا الشيء وكانه دين ثابت لا مساس فيه.







