اقلام حرة

فجرها ترامب ورد الملك تشارلز وصراع ماسوني عمره 300 عام.

*بقلم: ناجي علي امهز#*
أطلق الرئيس ترامب تصريحاً مثيراً قال فيه: “لولانا لكانت أوروبا تتحدث اللغة الألمانية”، فجاءه الرد من الملك تشارلز الثالث أثناء زيارته للولايات المتحدة بعبارة بليغة: “يجب أن تعلم أنه لولا بريطانيا، لكنت أنت (أي أمريكا) تتحدث الفرنسية اليوم!”.

هذه الجملة ليست مجرد مناكفة سياسية، بل هي تختزل واحداً من أكثر الصراعات التاريخية تعقيداً وعمقاً وغرابة في العالم الحديث؛ إنه الصراع “الإنجليزي- الأمريكي” بجذوره الخفية. هذا النزاع المستتر الذي لم يستشف كنهه إلا نخبة محدودة من العارفين، حيث طُمرت أسراره كما دُفن “حيرام”، فلا يدرك أبعاده إلا من امتلك “كلمة السر والمرور” وفك شفرات الرموز.

تبدأ القصة قبيل اندلاع الثورة الفرنسية عام 1720، حين بدأت المحافل الماسونية الفرنسية تنشط بزخم منقطع النظير، واضعةً الأطر الأيديولوجية لتحرير الشعب الفرنسي من سلطة الكنيسة المطلقة. وفي المقابل، كانت المملكة البريطانية ماسونية بامتياز، وصولاً إلى كرسي العرش نفسه. آنذاك، صاغت النخبة الفرنسية ثلاث ركائز أساسية للمحافل، شكلت حجر الزاوية في فلسفتها:

الركيزة الأولى تمثلت في اعتماد “الكتاب الأبيض” كدستور بديل للكتب السماوية الثلاثة (التوراة والإنجيل والقرآن). وكان المسوغ لهذا الاجتهاد الفلسفي والسايكولوجي هو أنه من غير المنطقي أن تقوم الثورة الفرنسية ضد الكنيسة (باعتبارها رمزاً للدين) وفي الوقت نفسه يُقسم المنتمون للمحافل على كتاب ديني، فهذا في نظرهم يتناقض مع جوهر الثورة العلمانية.

أما الركيزة الثانية، فكانت السماح للمرأة بالانضمام إلى المحافل الماسونية، ومنحها حق الوصول إلى كامل الأسرار والدرجات العليا إذا ما أثبتت جدارتها واستحقاقها لهذا الشرف المعرفي.

بينما نصت الركيزة الثالثة على “المواطنة الماسونية العالمية”؛ بحيث يُعتبر الأخ الماسوني مواطناً من الدرجة الأولى في أي بلد تحكمه الماسونية، بغض النظر عن منبته الجغرافي أو عرقه، سواء كان أوروبياً، أمريكياً، أو حتى من “العرق الأصفر” (وهي الصفة التي كانت تُطلق على مواطني السلطنة العثمانية آنذاك)، أو من أفريقيا وشرق آسيا.

لكن بريطانيا رفضت هذه المبادئ الثلاثة جملة وتفصيلاً. فكان ردها على الركيزة الأولى (الدين) بأن الدين عامل بنيوي وجوهري في حياة الشعوب، ويجب تكريسه وتعميمه لأنه يسهل عملية السيطرة العالمية. فوفق الرؤية البريطانية البرغماتية، يسهل قياد أي بلد متدين دون عناء عسكري أو تكاليف باهظة؛ إذ يكفي التحكم برجل الدين الذي يقود بدوره الجماهير، وبذلك تُحكم السيطرة على المجتمع والثروات. ورأت لندن أن نسف الدين، وإن كان يحرر الإنسان نظرياً، إلا أنه سيؤدي حتماً إلى “فوضى كبرى” ويعقد آليات الهيمنة. وكان هذا الاستشراف البريطاني نتاج تجارب استعمارية عميقة في إمبراطورية “لا تغيب عنها الشمس”.

وفي الرد على الركيزة الثانية المتعلقة بالمرأة، ورغم أن الكنيسة البروتستانتية (أساس التاج البريطاني) سمحت لاحقاً برسامة المرأة، إلا أن الرفض الماسوني البريطاني استند إلى إرث تاريخي ديني يرى في الأدوار القيادية والكهنوتية حكراً على الرجال، تماماً كما هو الحال في التقليد الكاثوليكي واليهودي والإسلامي.

أما الركيزة الثالثة المتعلقة بالمواطنة، فقد أيدتها المحافل البريطانية جزئياً، معتبرة أن للماسوني الأولوية في نيل الجنسية والامتيازات السياسية والاجتماعية، ولكن شريطة خضوعه لمعايير صارمة وضعتها “المركزية البريطانية”.

هذا التباين الجوهري فجر حرباً سرية وخطيرة بين باريس ولندن، يبدو أنها مستعرة حتى يومنا هذا. فالبريطانيون يتهمون المحافل الفرنسية بأنها المحرض والممول الأساسي للثوار الأمريكيين ضد التاج البريطاني (1775–1783)، وهي الحرب التي انتهت باستقلال الولايات المتحدة بزعامة “جورج واشنطن”، الذي كُرِّس ماسونياً في فرجينيا عام 1752 ونال درجة “الأستاذ البناء” عام 1753. ورغم اتباع واشنطن للطقس الإسكتلندي، إلا أن تأثير الماسوني الفرنسي “الماركيز دي لافاييت” عليه كان عميقاً، لدرجة وُصفت بأنها علاقة “أب بابنه”، حيث كان لافاييت الشريان الحيوي الذي أمد الثورة الأمريكية بالمال والسلاح والدعم العسكري الفرنسي.

ولم تغفر بريطانيا لفرنسا دورها في طردها من القارة الأمريكية، فردت الصاع صاعين للإمبراطور نابليون بونابرت عام 1799 عندما حطمت سفنه ومنعته من دخول عكا، مما شكل بداية النهاية لطموحاته الشرقية. وبدورهم، لم ينس الفرنسيون صراعهم حول مكانة المرأة، فأهدت الحكومة الفرنسية الولايات المتحدة “تمثال الحرية” عام 1876، لتكريس الرؤية الماسونية الفرنسية تجاه المرأة. ويُقال إن ملامح وجه التمثال تحمل بصمات مصرية اسكندرية، رداً رمزياً على قصف السفن الفرنسية، وتيمناً بجورج واشنطن الذي كان العضو المؤسس لمحفل “الإسكندرية رقم 22” في فرجينيا.

رد البريطانيون بالتمسك الصارم بأعرافهم وطقوسهم؛ فحتى الملكة الراحلة إليزابيث الثانية، ورغم منحها الدرجة “33” لتمكينها من اعتلاء العرش عام 1952 خلفاً لوالدها الملك جورج السادس (الذي كان يشغل منصب الأستاذ الأعظم لمحفل ميدلسكس)، إلا أنها ظلت بعيدة عن الممارسة الطقسية الكاملة. وبعد 70 عاماً،
جاء الملك تشارلز الثالث ليعيد الرموز إلى الواجهة، حيث ظهر بكامل الشارات والطقوس الماسونية أثناء تنصيبه ملكاً.

إن من يحكمون العالم لا يتركون مكاناً للعبث أو العشوائية، فالخطأ لديهم، مهما صغر،يعتبر كارثياً. ومن هنا ندرك الفارق الجوهري بين “الدول المارقة” التي تعيش في تخبط، وبين الأمم التي تدار شؤونها بدقة الساعة، حيث كل إشارة، وكل كلمة، وكل رمز وفاصلة صراع، يمتد لجذور تضرب في أعماق التاريخ لثلاثة قرون مضت وما هو اعمق مما نتخيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى