
*عبد الحليم محمود: ما بين العقل والنقل.. رحلة فكر وعطاء*
*عبد العزيز بدر القطان*
*أن يخلق المرء صادقا ونظيف الفكر وطيب الأخلاق، سِمة ربانية يتمتع بها قلائل، أناس اصطفاهم الله على غيرهم، منحهم الله السيرة الحسنة، وجعل من حياتهم صفحات متوفرة لكل طالب علم، عبد الحليم محمود رحمه الله، العالم الصداق والإمام الفذ، تذكرنا حياته وأعماله الجليلة ومواقفه الحاسمة بعلماء الإسلام القدامى الذين أعزّوا الشريعة وحملوا لواءها وزانوها بأقوالهم ومواقفهم*.
*دمج الشرق والغرب*
أن يعيش الإنسان ليجاهد جهادا من أجل تبيين الحقيقة وتوضيحها، أمر ليس بالسهل، فـ ” *عبد الحليم محمود*” سهل له الله سبل التعلم من خلال الدخول إلى رحاب الأزهر الشريف لكنه أدرك أن ظمأه لم يطفأ وأن ما تلقاه لم يحقق ما تهفو إليه نفسه فيمم وجهه شطر الغرب ليطلع على ثقافته وينهل من مواردها مباشرة، وهناك التقى بالحضارة الغربية والثقافة المعاصرة والمناهج العلمية الحديثة والحياة المتحررة من قيود الأخلاق والدين.
ولكن تربيته وقوة إيمانه واعتزازه بدينه واعتداده بنفسه جعله ينفذ إلى غرضه ويلفظ القشور لفظ النواة جاعلا نصب عينيه العودة إلى بلاده بأعلى الشهادات العلمية مستفيدا بما يمكن أن يقدمه له العقل الغربي دون ما ذوبان فيه أو تقليد أعمى له مبينا بسيرته هذه أن المسلم يؤثر ولا يتأثر ويقود ولا ينقاد جاعلا شعاره قول الله تعالى ” *ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين*”، فكانت مقصده فرنسا الذي نال من جامعة السوربون أشهر جامعات أوروبا في العصر الحديث وبذلك يتضح كيف جمع هذا العلم الشامخ بين أصالة التعليم الأزهري الذي أرتقي مراحله حتى درجة العالمية وبين حداثة التعليم الغربي الذي حصل فيه علي درجة الليسانس والماجستير والدكتوراه من قسم الفلسفة وتاريخ الأديان، منتقيا أطروحته حول كتاب في التصوف والسلوك للعالم ” *الحارث بن أسد المحاسبي البصري*”، حيث كان سبب إختيار هذا العالم عن قصد مسطرا بذلك مستقبل حياته العلمية والعملية فقد جعلها تسير في إطار المحاسبة للنفس والمراقبة لله تعالى والمجاهدة للأهواء ولقد ظهرت آثار هذا الاختيار في مؤلفات الشيخ رحمه الله وتحقيقاته الكثيرة بل تجلى ذلك في كل ما كتبه من أبحاث ومقالات وما ألقاه من دروس ومحاضرات في الكليات والجامعات بمعاهد العالم الإسلامي وأثناء مشاركاته في المؤتمرات والملتقيات في حياته.
*بين الحارث المحاسبي وعبد الحليم رحلة عطاء*
لنعرّج قليلا على العالم الورع أبو عبد الله الحارث بن أسد البغدادي المحاسبي صاحب التصانيف الزهدية، العابد الناسك الصوفي، الفقيه المتكلم، والواعظ المبكي، الذي كان يحاسب نفسه كثيرا لهذا أطلق عليه اسم المحاسبي، أب البغداديين وأستاذهم في زمانه، الذي عاش غريبا وسط مغريات عصره آنذاك، فكان يقول عن عزلته بأنها أنسه، حيث انكب على التعلم لعيشه زمان خلافة المهدي العباسي وهارون الرشيد والأمين والمأمون فالمتوكل والواثق في عصر العلم والتنوير، فكانت لا تسلم منه مقولة إن لم يزنها في ميزان الحق، فيكفي أنه قال: ” *من أراد أن يذوق طعم معاشرة أهل الجنة فليصحب الفقراء الصادقين*”، هذا التشابه بينه وبين عبد الحليم محمود رحمهما الله يؤكد لنا أن الواعظ واحد ولو اختلفت الأسماء وتغير الزمان، يؤثرون بالآخرين ويتأثرون بمن هم بحاجة على العون، ورعهم استخدم في قضية سامية لا حدود لها، فقد قال *الإمام الغزالي* ” *مأبو حامد محمد الغزالي*” في المحاسبي: ” *المحاسبي خير الأمة في علم المعاملة، وله السبق على جميع الباحثين عن عيوب النفس وآفات الأعمال واعوار العباد*”، فأن يشهد الإمام الغزالي لابد أنه انكب على قراءة جميع كتبه آنذاك، وهي شهادة كبيرة في حق هذا التقي، وإذا ما قارنا مع عبد الحليم محمود نجد تأثره به واضح وكبير جدا، حتى لنظن أنهما من بيئة واحدة وعاشا في ذات الزمان وتشربا من تعاليم بعضهما، حبا للفقير، وبعدا عن شهوات الدنيا ومساندة للمحتاج، هذا الإتصال الروحاني لا تجده عند أيا كان، بل تجده عند الذي يوقف الحياة ويتشرب فكر الآخر ويتقبله ويأخذ بيده ولو بعد قرون، فأن يحيي عبد الحميد موروث المحاسبي لهذا في حد ذاته حجز مقعد في الجنة، وإن نقبنا وفتشنا وبحثنا لن نجد أن هناك من ذم هاتين الشخصيتين أو نقدهما نقدا سلبيا، فقدرتهما على الولوج إلى تلافيف النفس دون إستئذان هي من نعم الله عز وجل.
ففي مسيرتهما رحلة عطاء مشبوعة بالفكر النيّر، أبت أن تترك هذا العالم دون موروث كبير ومخزون فكري قل نظيره، فترى المستشرقين إنكبوا على تعاليمهم وقراءة كتبهم وتحليلها، ولا عجب إن رأينا بعض الغربيين من أشهروا إسلامهم بإرادتهم حبا بما وصلوا إليه بعد الغوص في بحور تعاليمهما التي نحتاج إلى عصور طويلة لنتعمق فيها وتحتاج منا إلى أن نخصص إيصالها لهذا الجيل ويعي زمانه ومكانه.
ولمن لا يعلم الحارث المحاسبي أحد أعلام التصوف في القرن الثالث الهجري، من اهل البصرة، ولد عام 170 للهجرة، وتوفي ببغداد عام 243 للهجرة، وعبد الحليم محمود ولد عام 1910 م، في الشرقية بمصر، وتوفي عام 1978.
*الخلاصة الفكرية.. رحلة عطاء*
آثر *عبد الحليم محمود* رحمه الله أن يكون جهاده في كل المجالات يلقى الدروس والمواعظ للعامة بالمساجد ويحضر حلقات الذكر مع فرق المتصوفة في الموالد التي تقيمها ويكتب المقالات والدراسات العلمية الجادة ويحقق المخطوطات النادرة ويحي التراث العظيم ويقدمه بلغة العصر محاولا تبسيطه وتيسيره وتقريبه من الناس ونفض الغبار عنه، حيث قدّم إلى المكتبة الإسلامية كتبا جليلة وأعمالا قيمة ستظل شاهدا على رسوخ قدمه وسعة علمه وتوفيق الله له، إنها من الكثرة بحيث شملت كل مجال، كتحقيقه لكتاب *الرعاية لحقوق الله* وتحقيقه لكتاب *المنقذ من الضلال* للغزالي وتحقيقه *للرسالة القشيرية* و *لحكم بن عطاء الله* وغيرها من الكتب والرسائل التي نفض عنها الغبار وقدم لها بمقدمات رائعة وتحقيقات ضافية تدل على صبره على البحث العلمي وخدمته المتفانية لقضية التصوف الإسلامي.
كان يؤمن بحرية الرأي والرأي الآخر، وعندما يهاجمه أحد في شخصه لا يرد، لكن أبرز ما في تراث هذه الشخصية ميله إلى التصوف العقلاني، في فهمه للدين الحنيف، مستشهدا بـ” *الحارث بن أسد المحاسبي*”، في رسالته عن التصوف، منتهيا إلى أن “مذهب الاتباع”، وهو ما أصّله أكثر في كتابه ” *التوحيد الخالص.. الإسلام والعقل*”، والذي يقول عنه “ما فرحت بكتاب من كتبي، مثلما فرحت يوم ظهر هذا الكتاب، لأنه خلاصة تجربة حياتي الفكرية”.
*الرأي والرأي الآخر*
في ذات السياق، كنت ضيفا على قناة الكوثر ولحوالي 12 حلقة نناقش فيها موضوع العلمانية والإلحاد والمستشرقين واللادينيين ونظريات مختلفة، لكن من منطلق فهم ماهية الآخر لا التهجم عليه، فعند طرحهم لأي نظرية يكفي دعمها وتوثيقها بالدلائل لتكون مقبولة عند الأطراف الأخرى، فالدين الإسلامي دين يُسر لا عسر، ولم يضع أي في تعاليمه حول مهاجمة الآخر، وإن كنت نقدتهم غير ذات مرة، فيعود ذلك للتزمت في بعض الأطروحات أو النظريات، فالجرأة تكمن في أن تعترف بأحقية الغير عندما تكون الفكرة أو النظرية مستساغة ومقبولة ولا تمس تعاليمك أو ما تتبع عموما إن كنت مسلما أو غير مسلم، فهذا لا يفسد للود قضية، من هنا الدكتور عبد الحليم محمود حمل معه تعاليمه وذهب بها إلى الغرب الذي تأثر به، وتأثر منه أي “عبد الحليم محمود”، فكان منكبا على التراث الغربي بكليته وعلى فنونهم ونظرياتهم، أخذ منها الإيجابي والمفيد، وأعطاهم ما حمله معه من دينه، من السماحة والأخلاق والمكارم، فلا نستغرب لماذا اختار أطروحته عن العالم المحاسبي، رغم أن المحاسبي عاش في القرن الثالث للهجرة، والدكتور محمود في القرن العشرين، فهذا الزمن الطويل جدا، لم يقف عائقا لتشرب العلوم والمعارف، حتى انه قيل رغم ما وصل إليه الدكتور محمود من مناصب رفيعة المستوى ولقائه كارتر، وعبد الناصر وغيرهم من الأجانب والعرب، لكنه لم يأخذ من هؤلاء متاع الدنيا رغم عرضهم عليه نقله إلى أماكن عالية الرفعة، لكنه عاش وتوفي في شقته في منطقة الزيتونة في القاهرة الغير مملوكة وإنما كانت في الإيجار، وهذا يجعل منا أن نتوقف عند ما منحه هذا الرجل الذي خصص وقتا يوميا لإستقبال الفقراء قبل الأغنياء، كان محبوبا من الجميع، ففي يوم وفاته العام 1978 حزنت عليه الناس من مغارب الأرض إلى مشارقها.
*أب الجميع*
قلائلٌ في التاريخ الإسلامي العريق من يجمع بين الفلسفة والفقه والتصوف، ذلك أن الفلسفة هي قمة إعمال العقل، والتصوف قمة خضوع القلب، تارة بإعمال وتارة بغيره، والفقه هو الفهم عن الله، والشيخ الدكتور عبد الحليم محمود من هؤلاء الذين جمعوا بين الفقه والفلسفة وعلوم التزكية، وسخر كل هذا لخدمة دينه ونصرة أمته، فقد كان كالأسد الجسور ينطلق في كل ميدان، بعزيمة لا تفتر وجهد لا يترنح، حارب في عدة جهات، حارب الوجودية حين هبت فئة تدعو لها كمذهب حر يجب أن يسود الناس، إذ تساءل عن مكمن الحرية في المذهب الوجودي؟ أهي حرية مطلقة بحيث تصبح اعتداء على حقوق الآخرين؟
لقد صمد عبد الحليم محمود أمام الأخطاء خاصة التي تتشبث في آرائها دون تقبل الرأي الآخر، صمود الفارس الصنديد، فأخذ يزيل الغشاء الخادع عن الماركسية الخادعة، ليراها الناس في وجهها الكالح البغيض، وقد كشرت عن أنيابها لتلتهم لحوم الضحايا، وليرقص دعاتها علي أنين المعذبين من الشهداء.
كم كان الشيخ رائعا حين شهر قلمه ولسانه كاتبا ضد الشرذمة المتغطرسة دون تقهقر، فكانت كتبه ومقالاته وأحاديثه فاضحة عوار الشيوعيين، وقام في وجهه من يزعمون كالعادة أنهم تقدميون، وأن الشيخ رجعي متأخر، فتعادوا بالسباب، وجأروا بالبهتان، وادعوا أن الشيخ يعيد عهد الكهنوت الكنسي، وقد نسوا أنه لا كهنوت في الإسلام، كما كان له مواقف حازمة من قضية التكفير الديني والجماعات المسلحة التي راجت في عهده،
كان الشيخ عبد الحليم محمود يستشعر أنه إمام المسلمين في كل أنحاء العالم، وأنه مسئول عن قضاياهم، وكان هؤلاء ينظرون إليه نظرة تقدير وإعجاب، فهم يعتبرونه رمز الإسلام وزعيم المسلمين الروحي، ولهذا كان يخفق قلب الإمام لكل مشكلة تحدث في العالم الإسلامي، ويتجاوب مع كل أزمة تلمّ ببلد إسلامي.
*من مفكر فرنسي إلى عالم صوفي*
رينيه جينو مفكر وفيلسوف فرنسي رحلته من الشك إلى اليقين والبحث عن الحق حتى وصوله إلى الإسلام جديرة بأن تتم دراستها والاستلهام منها، فهو كما وصفه الإمام الدكتور عبد الحليم محمود في كتابه: ” *الفيلسوف المسلم رينيه جينو*”: ” العارف بالله الشيخ عبد الواحد يحيى”، وهو الاسم الذي اختاره لنفسه بعد إسلامه. وعن إسلامه يقول الإمام عبد الحليم محمود: “وكان سبب إسلامه بسيطا ومنطقيا في آن واحد، لقد أراد أن يعتصم بنص مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فلم يجد بعد دراسته العميقة سوى القرآن؛ فهو الكتاب الوحيد الذي لم ينله التحريف ولا التبديل؛ لأن الله تكفل بحفظه فاعتصم به وسار تحت لوائه فغمره الأمن النفساني في رحاب الفرقان”، فمعشر الشرقيين في جلّهم بعيدون عن تراثهم الروحاني العتيق، والسعي خلف ممارسات الغرب الروحانية غير المنضبطة، والمتناقضة في أساسها.
هذا يدل كيف ممكن للنفس السمحة أن تؤثر في الغرب وتعطيهم تعاليم أخلاق الإسلام دونما تقليل من قناعاتهم أو موروثاتهم التي كبروا معها، فهذا غيض من فيض، مدون وموجود لكل جيل يريد أن يطلع على هذا الفكر التنويري لهذا العالم الجليل، الذي نحتاجه في زماننا في ظل فوضى الإرهاب والتكفير، نخجل والله من أنفسنا لأننا نملك الأدوات والتعليم ومكتبتنا الإسلامية غنية بموروث هؤلاء العلماء، وترى أغلب الشعوب اليوم لاهية عن علمائها لا بل أكثر من ذلك لم تسمع بهم وكأنهم ليسوا عربا أو مسلمين.
إذاً هذا العالم القدير رحمه الله، أحيا تراث مفكرين كبار من خلال ما قدم عن الجانب الإسلامي وأعطى طريقة جديدة لقراءتنا لموروثنا الفلسفي، فالمؤسسات الدينية يجب أن تتحول إلى جامعات كمشروع مدني تنصهر مع المجتمع لتقدم نماذج صحيحة بدل التطرف والإرهاب وإقصاء الآخر، وأنا من بلد مؤسساتي يعرف تماما معنى الدولة المدنية المحافظة وليس بمعناها ضحد ما نؤمن به، بل تقبل الآخر وتقبلي وتقبل الجميع ضمن أسس وقواعد منضبطة، بعيدا عن الإدعاءات، الكتب كثيرة جدا لكن أين هم القرّاء؟ وأين هم النقّاد للخروج بنقدٍ بنّاء، هذا هوما تحتاجه الأمة اليوم، وهذا ما سأعمل عليه في القادم من الأيام.
*كاتب ومفكر كويتي*







