
في حضرة التاريخ.. يتلخص سحر الشرق.. رحلة السندباد لن يوقفها كورونا
بدايةً أعتذر من قرّائي ومتابعيّ الأعزاء عن غيابي القسري عنكم، وها قد عدنا والعوَد احمد.. وأتوجه للجميع بأسمى مشاعر الشكر والإمتنان عن سؤالهم عني وأسأل الله أن يمدكم بثوب الصحة والتوفيق.. أما بعد.
تمتاز جولتي الجديدة والتي هي تتمة للجولة الأولى إلى بغداد “مدينة السلام” بروحانيتها وقد لا تختلف عن الجولة الأولى بكثيرٍ منها إلا أن الأولى كانت تحتاج إلى إكمال المسير وتوثيق عالم مليء بعبق التاريخ والحضارة، لن تجده في كثير من عواصم الدنيا، ليست هي الأولى، لدمشق أقدم العواصم المأهولة، في جعبتي حكاية موثقة وللقاهرة التي تحدثت عنها، لعواصم زرتها وغيرها على القائمة.. ولن أتوقف ما دام لدي نبض وقلب يخفق بعبق وجمال ورونق حضاراتنا العريقة.
جولة إمتازت بزيارة مقامات لأسياد وعلماء، لشخصيات ظلمها التاريخ وأخرى أنصفها، مقامات بعضها مهمل يدمي القلب، لكن رغم ذلك تنقلك إلى عالم لا يمكن لك أن تبقي مشاعرك كما هي، بل تجتاحك عواصف من المشاعر اللاهبة وتنقلك عبر أثير هذا الشرق إلى ذاك الزمن الجميل، إلى عراقة التاريخ الممزوج بصبر وصمود وتضحية هؤلاء السادة والعارفين بالله المبجلين والمحترمين، فمهما وصفت لكم وشرحت لن يصل روعة ما شعرت به، ففي حضرتهم تعجز قدماي عن الوقوف، أحدثهم كما لو كانوا أحياء، وأستمد منهم طاقتي لتعيلني على نقل كل ما شاهدته عيناي.
أن تكون في العراق يعني أن تكون في مدينة السلام بغداد وفي شوارعها ورائحة عز أبو جعفر المنصور، وفي المدينة الفاضلة الجميلة النجف الأشرف، أن تكون في منزل الإمام علي سلام الله عليه في الكوفة ولك أن تتخيل كيف كان يعيش وبساطة هذا البيت، وأنت في حضرة الإمام علي إستذكرت سيرته منذ كنت صغيراً وطبعاً شراء الكتب أساسي في كل رحلاتي فكيف وأنا في حضرة الإمام، فكنت أقرأ كتاب حياة “أمير المؤمنين في عهد النبي” للسيد محمد صادق الصدر، إلا أنه رغم سعادتي لكنني حزين، حزين لأن أقرأ عمن طبق العدالة الإسلامية واليوم أرى كل هذا الظلم الذي يقع وأمة آخر ما تعرفه هو العدالة للأسف.
فمن الكاظمية إلى الأعظمية إلى النجف الأشرف والكوفة وجولة بين الأولياء والصالحين والأتقياء والأئمة والتاريخ وقصور بني العباس وبين أبيات أبو النواس وقصائد المتنبي وشوارع واسط تاريخ عريق لا يمكن لإنسي كتابته وتوثيقه في كتاب.
أما عن جمال الأحياء وروعة والبناء وطيبة الناس، لتشعر وكأن هناك علاقة وطيدة بين البشر والحجر، بين الأطفال والكبار، ففي كل باحة مسجد ترى عناقاً روحانياً لا تراه في أي مكان، ترى حب الناس وطيبتهم في لهفة المحتاج ونصرة المظلوم، لم يبخلوا على أحد بشيء، فلقد قصدت الأعظمية التي فيها مرقد بشر الحافي، فروحه موجودة بطيبة الناس وجمال وروح الناس، هناك أمر ما يشبه بشر الحافي بأهل الأعظمية، فعندما تدخل مسجد أبو حنيفة النعمان أو كما يسمونه الإمام الأعظم تشعر بذلك وحتى في صفوف المصلين وأشكالهم والأطفال في باحة المسجد ترى فيهم الهدوء والخشوع والجمال والهيبة والأمن والأمان.
هناك سر في منطقة الأعظمية هل هي بركة الطبري أو بركة أبو حنيفة النعمان الكوفي، أو هي بركة بشر الحافي، الله سبحانه وتعالى وضع سحر الشرق في هذا المكان وفي كل مكان يشبهه، وختامها مسك مع فيروس كورونا ذاك الوباء الذي زاد هموم البشر وكأنه ينقصها فوق ما تعانيه، وكأنه قدر أن تزيد أيام رحلتي لأسبوعٍ جديد في رحاب التاريخ، فربّ ضارّةٍ نافعة رغم أنها إبتلاء ونسأل الله الصحة والسلامة لأمتنا ولجميع الناس في كل أرجاء المعمورة.
لكن لكل مقالٍ مقام ولكل شاهدٍ حكاية، وأنا الرحالة كسندباد لا زلت أبحث عن كنوز بغداد والعواصم العربية وأبحث عن أسرار القاهرة وسحر الشرق لأني مفتون بالشرق، مفتون بقدمه وبيوته العتيقة ومقاماته ومساجده فلكل منهم حكاية في جعبتي.
إنتظروا بحثي القادم، “في حضرة العلماء.. يتلخص سحر الشرق”
عبدالعزيز بدر القطان







