اقلام حرةمقالات

حين تُحرّف المفاهيم: من حلم الحرية إلى فوضى الدمار

إنّ ما نشهده اليوم من فوضى فكرية، وضياع أخلاقي، وتشوّه في الهُوية الثقافية، ليس وليد اللحظة ولا نتيجة أزمة طارئة، بل هو نتاج تدمير ممنهج للمفاهيم التي تبني الإنسان السليم نفسيًا واجتماعيًا.

هذا التدمير لم يأتِ صدفة، بل تَرافق مع إصرار خطير على بناء مجتمعاتنا بطريقة عشوائية، سطحية، وغير علمية… لا بل بطريقة شيطانية موجهة، تُلبس الباطل لبوس الحق، وتُسوّق الانحلال على أنه حرية، والتفكك على أنه تعددية، والفوضى على أنها ديمقراطية.

لقد تحوّلت مفاهيم سامية مثل “حرية المعتقد” و”حرية التعبير” إلى أدوات تُستخدم بجهل – أو بسبق إصرار – لتفكيك المجتمعات بدل أن تحرّرها. فالحرية، حين تُنتزع من سياقها الأخلاقي، وتتعدّى على حرّيات الآخرين، وتُمارس دون وعي أو مسؤولية، تتحوّل من حلم جميل إلى أداة تدمير ذاتي ومجتمعي.

بناء الأوطان لا يتم بالشعارات الرنانة ولا بالخطب العاطفية.

بل يحتاج إلى عقول علمية، وسواعد مؤمنة بالمسؤولية الجماعية. نحتاج إلى علماء سوسيولوجيا ونفس واقتصاد وسياسة وبيئة، يضعون الأسس العلمية الصلبة التي تُبنى عليها ركائز الوطن، بهدوء، بمنهج، وبتراكم معرفي حقيقي.

 

لكن في بلد مثل لبنان، تحوّلت الساحة إلى منبر لكل من “يعتقد نفسه فهمان”، يعتلي المنصات ويُنظّر بلا أساس، ويمارس “البطولة الفكرية” التي لا تجرّ إلا الخراب… والأخطر من كل ذلك، أنه يكون محميًّا بمنظومة تمنحه الضوء الأخضر ليسترسل في تدميره، من دون حسيب أو رقيب، وكأن الوطن حقل تجارب لأمراضه النفسية أو طموحاته الفارغة.

 

لقد تمّ تفريغ المجتمعات من مرجعياتها، وقطع الحبل السُري بين الفكر والقيم.

صرنا نعيش في متاهة، حيث الكل يُفتي، الكل يُنظّر، ولا أحد يُحاسب.

ووسط هذا الضجيج، تضيع الحقيقة، ويضيع الوطن… والضحية دومًا: الإنسان.

خلود وتار قاسم

المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة. 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى