اقلام حرة

لا بديل عما يقوم به الرئيس عون.. والحرب على الشيعة حتى 2029

لا بديل عما يقوم به الرئيس عون.. والحرب على الشيعة حتى 2029
*بقلم: ناجي علي أمهز*
تكمن المعضلة الأساسية اليوم في أن الشيعة لم يستوعبوا بعدُ أبعاد المشهد بالكام، ولا يدركون أن المطلوب دولياً بات يتراوح بين خيارين لا ثالث لهما: الإخراج من الجغرافيا اللبنانية أو الإبادة الجماعية. ورغم أن الشيخ نعيم قاسم صرّح علانية بأن الهدف هو القضاء على المقاومة وإبادة بيئتها، إلا أن النخبة السياسية والإعلامية الشيعية، وبدلاً من قرع ناقوس الخطر الوجودي، ما زالت تمارس استعراضات “التحدي” اللفظي، ظناً منها أن رفع سقف الخطاب سيغير معادلة دولية كبرى قد حُسمت سلفاً.
إن ما يغيب عن العقل الجمعي الشيعي هو أن العالم الذي انتفض لأجل غزة ومدّها بالدعم، يقف اليوم متفرجاً بصمت مريب على إبادة المكون الشيعي وأزمته الوجودية التي فاقت في أهوالها مأساة غزة، وذلك لأن الشيعة في لبنان لم يفلحوا في تسويق قضيتهم، بل إن خطابهم الإعلامي المنفصل عن الواقع قلب الرأي العام ضدهم، واضعاً إياهم في مواجهة مباشرة مع النظام العالمي، وهي مواجهة تتطلب تسديد فاتورة باهظة من اللحم والدم والجغرافيا.

من هنا، يبرز تحرك الرئيس جوزاف عون كضرورة قصوى ومحاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من كيان، فالحرب الحالية ليست حدثاً عابراً، بل هي مسار زمني مرسوم بدقة قد يمتد حتى عام 2029.
وهذا الكلام كتبته ونشرته في 13 – 8 – 2024 “إسرائيل ستقبل بوقف النار في غزة لكنها مصرة على قتال حزب الله” لان الغاية هو انهاء الشيعة في لبنان.
إن الإشكالية الكبرى هي عجز الكتلة الشيعية عن تصديق ان الدول تسعى الى تهجيرهم او ابادتهم، لذلك يعتقدون ان الازمة هي ازمة حرب وتنتهي اما بصمود او انتصار، وبعضهم ان كان في السياسة او السلطة ونمط الحياة مستمرا وكان لا شيء يحدث حوله، ولو علم هؤلاء ما مصيرهم لكانت القيادات والنخب الشيعية بحالة انعقاد وحركة دائمة، او هي طرقت ابواب الدول بدل الانتظار من يطرق بابها.

ومن موقعي البحثي (الفلسفي والطقسي) بين النخبة العالمية فهمت وادركت منذ عام 2019 مآلات هذا الصراع، وحذرتُ حينها بفيديو منشور من قرار دولي بمحاصرة شيعة لبنان واقتلاعهم من أرضهم، مشبهاً مصيرهم بمصير الحزب النازي في ألمانيا من حيث الارتطام بالنظام العالمي والنهايات المأساوية. وقتها، ظن البعض أنني واهم، متسائلين كيف تنهار قوة تمتد من طهران إلى بيروت؟ واليوم، نرى بأم العين كيف يسير الشيعة نحو تلك النهاية بسبب حالة “عدم التصديق” التي منعتهم من رؤية الخرائط الاقليمية الحقيقية، والظاهرة من سوريا حتى الجنوب.

إن أزمة العقل السياسي الشيعي تكمن في وقوعه ضحية لعقدة القوة، وفي الافتقار لمعايير المقاربة العالمية؛ فبينما يقول الشيعي انه الاقرب والاكثر نفوذا في طهران، فإنه يرفض الاقتناع بأن الماروني، بحكم هجرته التاريخية وارتباطه بالكنيسة ومراكز القرار الغربي، يمتلك الكلمة الأولى في واشنطن وأوروبا، وبدل الاندماج بين الفريقين لايجاد حلا للبنان وللازمة الشيعية تحديدا، نجد ن الشيعة يسيرون خلف الجنون الاعلامي الذي يقصيهم داخليا وينحرهم دوليا.

لقد قدم العالم للشيعة فرصاً تاريخية لادارة المنطقة، حيث تقاطعت مصالح الغرب مع إيران كحائط صد ضد التطرف الجهادي الممتد من افغانستان وبلاد القوقاز خشية وصوله الى منابع النفط في العالم العربي مما يشكل تهديدا حقيقيا للاستقرار الدولي، مما سمح بتمدد النفوذ الشيعي المعروف عالميا باعتداله الديني وانفتاحه، لكن هذا المحور فشل في تقديم نموذج حكم واقعي أو فهم آليات العلاقات الدولية، مما دفع العالم لنفاد صبره بين عامي 2013 و2023.

وعلى الرغم من بقاء الشيعة وحيدين في ساحة المقاومة بعد تخلي الكثيرين عن القضية الفلسطينية، إلا أن العروض الدولية للحل تم رفضها بسوء تقدير استراتيجي او ربما لعدم تصديقها؛ فمنذ عام 2003، عرضت واشنطن عبر كولن باول على بشار الأسد مخرجاً آمناً للعلويين والشيعة يشمل ترتيب حدود “وطن علوي” وتمدداً شيعياً جغرافياً يمتد من جنوب لبنان وصولاً إلى القلمون والقصير، لكن الرفض السوري المعتمد على ضمانات روسية وإيرانية أدى إلى الانهيار الذي نعيشه اليوم: فرار الأسد، خسارة سوريا، مقتل عشرات الآلاف من العلويين والدروز وتحول شيعة سوريا إلى مهجرين، بينما بات شيعة لبنان ممنوعين من زيارة مقدساتهم في ظل نظام سوري جديد يعلن عداءه المطلق لهم.

لبنانياً، تحول السلاح الذي كان مصدر حماية إلى ذريعة تتخذها اسرائيل وتتبناها امريكا لتدمير القرى، وأصبح الشيعة الذين كانوا “صنّاع الرؤساء” خارج معادلة القرار، في وقت تخوض فيه إيران حرباً مباشرة مع أمريكا دمرت منشآتها الكبرى، ولا أحد يعرف خواتيمها رغم الصمود الايراني الاسطوري.

حتى الأدوار السياسية التقليدية لم تعد تنفع، فواشنطن التي حافظت سابقاً على “شعرة معاوية” مع الرئيس نبيه بري، باتت تصنفه اليوم كجزء عضوي من المنظومة المستهدفة، وكلام السفير ميشال عيسى حول توزيع الأدوار بين رئيس مجلس النواب نبيه بري و”حزب الله”مما أحكم الطوق على الجميع.

أمام هذا المشهد القاتم، وبما أنه لا أحد ينكر صمود وبسالة وتضحيات الشيعة، يبقى السؤال: ما هي السياسة المتبعة وما هو سقفها؟ إن الحل الوحيد هو العودة إلى الحوار مع الدولة لحفظ الجميع، فزمن “فائض القوة” الجغرافي قد انتهى، والتفاوض المباشر بقيادة الدولة اللبنانية هو الخيار الأخير لمنع ترحيل الشيعة من جغرافيتهم.

ما يقوم به الرئيس جوزاف عون هو الممر الإلزامي، لانتزاع قرار لبناني لقطع الطريق على اي تدخل اقليمي، فان كان الشيعة سيصرون على تدخل ايران فان امريكا ستصر على ادخال اسرائيل وسوريا بمعركة ضد الشيعة مما يعني تدمير لبنان على الجميع.
ابقاء التفاوض محصورا مع الدولة يمنع التدخل السوري ويضع الاسرائيلي في ملف التفاوض بعيدا عما يحققه.
المطلوب اليوم هو وقف اطلاق النار ولو جاء من بنغلادش كما قال الرئيس بري.
كما يجب التكامل مع سلطة الدولة بأي طريقة او ثمن، بالختام الشيعة جزء اساسي في السلطة والجميع يحكمهم الدستور.

امريكا ملزمة بأمن اسرائيل على حساب العرب والاقليم، وتبدل الرؤساء في أمريكا لا يغير الاستراتيجيات، والبديل عن هذا الحل التفاوضي السياسي الجديد هو استمرار استنزاف لن ينتهي إلا بخراب ما تبقى من الوجود الشيعي والوطني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى