اقلام حرة

صاحبي الوسواسي النرجسي الذي نسي وجهه في المقهى…

د. احمد عياش

لي صاحب لا يطلّ على الماضي الا من شرفة الصالون ولا ينظر إلى المستقبل الا من طاقة القبو.

هكذا هو يحنّ للبارحة ويبكي على الأمس ويعظّم ما فات ويحتقر الغد ويشكّك من جدوى العمر الباقي.
صاحبي لا يثق بأحد،أنهكته الخيبات،يقدّم لك كل الوثائق التي تثبت غدر الزمان والاصحاب له،لا يساوم على فاصلة بين الكلمات ولا يرضى ان يتوقف عند نقطة في آخر السطر.
يميل للشرح ويعشق التفاصيل،يروّض نزاعات قومه في التاريخ ويجمّلها لتصبح مقبولة في الحاضر و يعجن أراء الاقوام الأخرى ليصنع منها خبز يومه الرديء،ليصبّ جام غضبه وتوتره على كل من خالفه في قصيدته عن الحياة.
لا يحترم أيّة علامة تعجب الا اذا كانت لصالحه.
لا يقدّر أية علامة استفهام الا إذا كانت سؤالاً عنه.

لي صاحب إن حضر تأفّف وإن تكلّم تذمّر و إن غاب ساد الهدوء من بعده.
صاحبي بخيل ذكيّ يشرح سلوكه بحجة الحرص واليقظة كي لا يُسرف في الصرف إلا انّه لا يرتدي اي قميص او بنطال ولا ينتحل حذاء الا اذا تأكد أن المنتوج من صنع أيادي فتيات ايطاليا او بريطانيا العظمى ولا يدخّن اي سيجار الا إذا ثبت ان فتيات كوبا لفتّه باصابعهن على افخاذ عاريات.
عظيم هو صاحبي،يعلم مسبقا بقرارات الدول يذكّرك دائما بما حلل و بما قال قبل يوم،قبل اسبوع،قبل شهر،قبل سنة ليؤكد صوابية رأيه الضائع والمهمل بين السادة وأصحاب القرار منزعجاً من سرقة أفكاره اينما كان.
يناصر الفقراء الا أنه يرفض العيش بينهم .
ينظر في المرآة ليغازل وسامته وليمدح طلّته.
يعتقد بقوة ان النساء يتجاهلنه كي لا يقعن بسحره وانّهن يبتعدن إن اقترب لعجزهن من الثبات في النظر الى عينيه.
لا يصلّي ولا يصوم الا أنه مقتنع ان الرب أسقط عنه واجبات و طقوس فرضها على غيره من العباد لكنّه ان صلّى اعاد الصلاة عدة مرات لشك ساوره.
ينشد الكمال علما انه نسي وجهه في المقهى عدة مرات.
مختلف عن الناس حتى مع السماء.
لا يدخل مسجد ولم يلمحه احد في كنيسة ،لا حاجة له لوسيط،يدعو ويكلّم ويطلب ما يشاء من الربّ والربّ يستجيب له بمعجزات لا نعرفها.
متصوّف على طريقته ،بينه وبين السماء خط سريع عسكري لعبور الدعوات.
يدقق فيما حوله،يعاند بفكرته،صلب في حديثه،يخبرك بوضوح أنه غالبا ما يكون أسير افكار لا تتركه ولا يرتاح الا اذا حققها.
يحتقر القلب ويعظم مكانة العقل.
صاحبي صعب المراس وضحية نفسه و يسألني لماذا ما عاد هاتفه يرنّ ليسأل عن صحته احد.
صاحبي اعزب.
فضّل رفاهيته على ان يضحي من أجل أولاده وعلى ان يتحوّل صباحا لزبال عند زوجته عند مغادرة المنزل وان يعود عتالا اليه عند المساء.
الارض إن دارت فهو مركز الكوكب وحجّة الناس بالنظافة واللياقة والاناقة والترتيب والجمال والاصطفاء والنظارات والحسد.

 

المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس رأي الموقع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى