
للشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد فقرة جميلة في تقديمه لكتابه العمدة لابن رشيق، وهي فقرة تنبئ بوضوح شديد عن منهجه في التحقيق، واعتزازه بما بذل فيه من معاناة، مع حرصه على الإشارة إلى التزامه بالبعد عن التعمق في ذكر الاختلافات وأسبابها مما يدخل في اهتمام المختصين وفيها يقول:
“ولو أردت أن أحدثك عن المراجع التي استخلصت لك الصواب من بينها لهالك الأمر، وخرج الحال في نظرك عن حد المستساغ المعقول، ولكنها على كل حال حقيقة لا غلو فيها ولا إغراق، وستقف بنفسك حين تقرأ الكتاب بعد هذا على ما كابدت من العناء والمشقة، وكنت أحب أن أذكر لك عند كل تصويبة أثرها في خطأ أصول الكتاب، وكيف أصلحت؟ ومصدر إصلاحها، ولكني اكتفيت في التنبيه على بعض ذلك، وتركت بعضه لعلمي أن ذلك لا يعني غير نفر قليل من القراء، وهؤلاء يكتفون باللمحة، ويجتزئون بالخبر، وكان لابد أن أجد زيادة في بعض النسخ عما في بعضها الآخر، أو أعثر على سقطة في كلام نقله المؤلف عن كتاب آخر، بعد مراجعة هذا النقل، فاكتفيت بوضع الزائد بين قوسين ( ) ونبهت على مواطن الزيادة”.
الأستاذ الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد (1900 -1972) هو عميد المحققين (الأزاهرة وغير الأزاهرة) في جيله، كان الأستاذ الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد من أساتذة الأزهر البارزين الذين استقرت على أيديهم التقاليد الأكاديمية في التأليف والتحقيق والبحث العلمي، والتدريس الجامعي، والدراسات العليا كذلك.
ظل الشيخ محمد محيي الدين منكباً على عمله في تحقيق كتب التراث لا يعوقه مرض أو مسؤوليات منصب، أو عضوية المجامع عن مواصلة طريقه حتى لقي الله في 30 ديسمبر/ كانون الأول 1972، تاركاً هذا الإنتاج الخصب الذي لا تزال تنتفع بما فيه الأجيال، ويتعجب الإنسان كيف اتسع عمره لإخراج هذا العدد من الكتب المتنوعة في التخصص، الكثيرة في العدد، المختلفة في الأحجام، ولكنه فضل الله يؤتيه من يشاء.
رحم الله الشيخ محمد محيي الدين وأسكنه فسيح جناته.
عبد العزيز بدر القطان






