
*بقلم: ناجي علي أمهز*
“بري لعون: “أعطوني وقف إطلاق نار والباقي عليّ” هي المانشيت الداخلي والدولي، بينما كلام اللقيس يقول عكس ذلك.
يبدو أن الطائفة الشيعية في لبنان وصلت إلى مفترق طرق خطير ومصيري، والدليل الصارخ على ذلك هو التناقض الجذري في الرؤى؛ فبينما يسعى الرئيس نبيه بري بكل ثقله للوصول إلى وقف لإطلاق النار، يخرج الدكتور بلال اللقيس ليصف هذا المسعى بأنه مجرد مناورة إسرائيلية أمريكية تهدف إلى فصل جبهات المقاومة وتفريقها، وهو توصيف يتضمن اتهاماً ضمنياً للدولة اللبنانية بالمشاركة في هذه المؤامرة. وإذا كان بلال اللقيس وأمثاله هم من يحددون اليوم سياسة الشيعة وتوجهاتهم، فعلى الطائفة السلام، إذ يعني ذلك نهايتها ككيان وطني، ويجعلنا نتحسر على أرواح الذين رحلوا، وعلى الجنوب الذي يرزح تحت الاحتلال.
تنتشر حالياً شائعة، لا أستطيع الجزم بمدى جديتها، تنسب لعضو المكتب السياسي في حزب الله الدكتور بلال اللقيس تصريحاً يقول فيه: “الحديث عن هدن على جبهة لبنان ليس أكثر من مناورة إسرائيلية أمريكية بهدف فصل جبهات المقاومة وتفريقها، وربما يخططون لشيء ضد إيران، والمطلوب الآن تمتين ساحات جبهة المقاومة ووحدتها بل وزيادتها”.
بغض النظر عن دقة المسمى التنظيمي للدكتور اللقيس، فأنا لا أعلم يقيناً إن كان عضواً في المكتب السياسي للحزب أم لا، لكن صدور مثل هذا الكلام عن شخصية محسوبة كقيادية في الحزب يعني أن الشيعة قد يجدون أنفسهم مضطرين لمواجهة العالم أجمع، بما في ذلك الدولة اللبنانية وأكثر من نصف الشعب اللبناني، وربما سيواجهون انشقاقاً داخلياً كبيراً. وهنا، يترتب على حزب الله وحركة أمل توضيح موقفيهما، فهما المسؤولان المباشران عن طائفة دمرت مدنها وقدمت ما يقارب 60 ألفاً بين شهيد وجريح.
إن صدور مثل هذا الكلام عن محلل سياسي قد يُعد وجهة نظر شخصية، وتتحمل مسؤوليته الوسيلة الإعلامية، أما أن يُنسب لجهة حزبية، فهذا يعني وضع الحزب في مواجهة مباشرة مع الدولة والمجتمع الدولي، ويمنح إسرائيل الذرائع الكاملة لإحراق المناطق الشيعية، وهو أخطر ما قد نصل إليه.
إن كلام الدكتور اللقيس يؤكد صراحة أن الحزب لا يريد وقفاً لإطلاق النار، في المقابل، نجد أن الرئيس بري ورئاستي الجمهورية والحكومة لا يشغلهم حالياً سوى وقف اطلاق النار، وهذا هو المطلب الشيعي الحقيقي، خاصة أن الدولة اللبنانية أعلنت بوضوح أنها لن تذهب نحو أي سلام دون إجماع عربي.
إن ما يحتاجه الناس اليوم، وتحديداً المهجرين والمشردين وهم بغالبيتهم من الشيعة، هو وقف إطلاق النار بغض النظر عن الجهة التي يأتي منها المقترح، سواء كانت أمريكية أو إسرائيلية، فالمهم هو التنفيذ لإنقاذ ما تبقى.
لكن كلام الدكتور اللقيس لا يمكن اعتباره تحليلاً عابراً، بل هو يعكس توتراً عميقاً داخل الطائفة، أو يوحي بأن الرئيس بري قد فقد دوره وتأثيره شيعيا. وإذا كان هذا الكلام يمثل رداً غير مباشر على توجهات بري، فليستقل الرئيس بري وليستلم الدكتور بلال ومن يشبهه زمام الأمور، لأننا أصبحنا أمام منطقين شيعيين متصادمين: منطق «وحدة الساحات» الذي يتبناه اللقيس بوصفه جزءاً من عقيدة استراتيجية عابرة للحدود، ومنطق «حماية الداخل اللبناني» الذي يمثله الرئيس بري الساعي لوقف الانهيار بعد الكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة.
عملياً، يعني كلام اللقيس رفض أي تهدئة منفصلة في لبنان، وربط مصير البلاد كلياً بالمواجهة الإقليمية والدفاع الاستراتيجي عن إيران، متجاهلاً حسابات المصلحة الوطنية اللبنانية.
إن الدعوة إلى «زيادة وتمتين الساحات» في وقت يئن فيه الوطن تحت وطأة الحرب، تثير تساؤلاً مشروعاً: هل المطلوب هو الاستمرار في الاستنزاف حتى النهاية، أم أن هذا الشعب يحتاج إلى «استراحة محارب» تلتقط فيها الأنفاس؟
إن أهمية هذا الحدث تكمن في رد الفعل والتعليقات وهو ايضا ينذر بان الحزب قد يواجه نقمة شيعية، لان الخطورة لا توصف ان يطرح هكذا كلام على الاعلام والناس تعيش على الاعاشات وفي المخيمات بينما بقية اللبنانيين يكملون حياتهم وكانه لا شيء حصل.
الشيعة اليوم يتسالون هل ستُرمم المدارس ويعود الأطفال لإكمال تعليمهم؟ وهل بقيت مؤسسات وشركات خاصة قادرة على العمل وتوظيف أبناء الطائفة في مناطقهم؟ كيف سيكمل الشيعة حياتهم، وأين سيسكنون ويعملون؟
وحتى في حال لم يتحرر الجنوب قريبا، أين سيعيش هؤلاء؟ والمفاجأة في كلام الدكتور اللقيس أنه، ورغم محاولات الحزب المستمرة لإقناع اللبنانيين بجدوى توقيت المعركة وأنها فتحت لتعزيز الدور اللبناني، يأتي كلامه ليؤكد غياب أي اعتبار لبناني خالص، بل هي مجرد عقيدة «وحدة ساحات».
إن الشروخ تظهر اليوم واضحة. سواء كان هذا التصريح خطاباً تعبوياً أو موقفاً سياسياً، فإنه يكشف عن حالة قلق ومواجهة مع الواقع الصعب؛ فالضائقة الاقتصادية والانهيار المالي والخسائر البشرية كبيرة جدا، ولا يجوز ان يكون الخطاب السياسي بهذا الحجم من الاستخفاف بوجع الناس وعقولهم.
أكرر ذلك ليس لأن كلام اللقيس مؤثر بذاته، بل لأن المتربصين بالطائفة يستفيدون من كل ثغرة لإضعافها. وهذا الكلام لا يضعف الشيعة فحسب، بل يهدد بإنهاء وجودهم السياسي والاجتماعي. لقد بلغتُ اللهم فاشهد، والخيار لكم.







