
بقلم د. عماد عكوش
منذ بداية الازمة الاقتصادية في لبنان في نهاية العام 2019 ويتم طرح الكثير من المشاريع التي يحاول من خلالها أصحابها استعادة الودائع للمودعين ، من هذه الطروحات كان أنشاء صندوق خاص توضع به أملاك الدولة كافة من أملاك عقارية ، قطاع كهرباء ، قطاع اتصالات ، قطاع نقل ، كازينو لبنان ، الريجيه ، قطاع مياه ، وغيرها من مؤسسات القطاع العام ، لأستثمارها لمصلحة الدولة والمودعين على أن يدير هذا الصندوق هيئة خاصة من خبراء متخصصين بالموضوع الاستثماري والاسواق المالية ، وعلى ان يبقى خاضع لرقابة مستقلة من جهات رقابية متخصصة ومستقلة وترفع تقاريرها لمجلس الوزراء عبر وزير الوصاية .
هذا النوع من الاستثمار يحتاج الى شفافية كاملة والى حوكمة رشيدة لكل هذه المؤسسات بحيث يعاد تقييمها وهيكلتها حتى تكون منتجة لأرباح يمكن ان تمول هذا الصندوق لتوزيع أرباحه على المودعين ، هذه الشفافية والحوكمة تعني رفع يد الطبقة السياسية عن أدارتها ، وفرض أرادتها عليها .
هل يمكن ان يحصل هذا الامر في لبنان في ظل هذا النظام الطائفي والتحاصصي ؟
لقد كانت تجربتنا السابقة في كل مؤسسات الدولة فاشلة بنسبة كبيرة والمثال الاكبر على هذا الفشل هو مؤسسة كهرباء لبنان والتي كلفت الدولة اللبنانية أكثر من عشرين مليار دولار سلفات خزينة ويضاف اليها الفوائد التي تحملتها الخزينة اللبنانية نتيجة لأستدانة هذه السلفات من السوق المالي وبفوائد مرتفعة جدا” .
ان قطاع الاتصالات في لبنان هو أيضا” أحد هذه الامثلة الفاشلة عن ادارة الدولة الطائفية التحاصصية لأحدى أهم المؤسسات والتي من المفترض ان تكون منتجة في لبنان ، فقد تم حشو الموظفين فيها نتيجة للتحاصص الطائفي والحزبي بشكل أفقدها هذه الانتاجية المفترضة وتراجعت وارداتها التي كانت تغذي الخزينة اللبنانية بواردات كبيرة قياسا” الى بقية المؤسسات التي تملكها الدولة اللبنانية ، والسبب الاساسي لهذا التراجع اضافة الى حشو الموظفين وعدم وجود جهات رقابية متخصصة ومستقلة ، هو نقاط الضعف الكثيرة التي كانت دفاتر الشروط تتضمنها والتي كانت تمنح للمستثمر حرية التصرف باملاك وواردات الدولة دون اي حدود او شروط تمنعه من هدر المال العام .
ان ارتباط الفساد ، الهدر ، والتحاصص بالنظام الطائفي هو أمر محتوم ولا يمكن الفصل بين هذه الصفات والخصائص والنظام الطائفي ، ولا يمكن ان تتمتع مؤسسات القطاع العام بالشفافية والحوكمة ما دامت تخضع لشروط النظام الطائفي التحاصصي .
بناءا” على هذه التجربة السابقة لهذا النظام وارتباط هذه الخصائص به ، فمن الجهل أعادة تكرار الامر وكأننا نبتدئ من جديد ، لقد أصبح الامر محسوم وعلى المودعين الاختيار وهم يعلمون جيدا” ان السيولة غير موجودة اليوم لرد هذه الودائع ، وهم يعلمون ان بيع كل أملاك الدولة اليوم لا يكفي لرد ولو عشرين بالمئة من ودائعهم ، لذلك أقول أن عليهم الاختيار بين نظام طائفي يحافظ على الفساد والتحاصص في هذه المؤسات وبالتالي يحافظ على عدم انتاجيتها لا بل على عبئها على الدولة اللبنانية ، أو اختيار الدولة المدنية التي يتم من خلالها انشاء دولة المؤسسات البعيدة عن الطائفية والتحاصص لأستعادة ودائعهم ولو بشكل تدريجي وعلى سنوات عدة .
فماذا يختار المواطن اللبناني ، وماذا يختار المودعون ؟







