
ما اصعب ان تأتيك رسالة من ابن ضيعتك ليقول لك : ( انتم المغتربون عملاء للسفارات ) . يا صديقي السفارات لا تفتح ابوابها لينقل إليها العملاء اخبار الفقر ، والحرمان ، والطوابير في تقارير ، لأنها من خلال التكنولوجيا تعرف ألوان ملابسنا الداخلية ، ومحتويات غرف النوم ، والاكل في الطناجر .
يا صديقي انا لست غريباً عنك ولم اخلق في الجادة الخامسة في شارع الشانزليزيه ، ولا في امارة موناكو ، ولا في ولاية تكساس ، انا ابن هذا البلد ، ابن دياب شاهين الذي لليوم ما زالت انفاسه تجوب المقهى ، ويجوب الاحياء لواجب العزاء في الاتراح ، والتهاني في الافراح ، ويوزع الحب والامل للناس . انا ابن حي قبب المقابر ، ابن حي الشير ، وازقة حي الحارة ، ومئذنة البيادر ، انا من رائحة سوق الضيعة ، من مطعم ابو غسان ، الى دكان خير الله ، ومرجوحة عابدين ، واقمشة بو سميح ، والحلاق بو حبيب ، ابن منشية الوقف ، وسواقي رأس المال ، وبساتين وادي الجوز ، ثيابي من عطورات رائحة حموة التنور ، ومواقد سليقة القمح ، ودبس الرمان ، من رائحة الشومر على اطراف العاصي ، واللزاب في اعالي الجرد ، انا يا صديقي اقرب اليك من يمنيٍّ في صعدة ، او عراقيٍّ في بغداد ، او سوريٍّ في درعا ، او فلسطنيٍّ في غزة ، او ايرانيٍّ في اصفهان . انا لا اخون وطني انما اكتب احساسي بالحرمان على الورق ، اكتب وجعي ووجع الناس ، في هذا الفضاء الذي لم يعد مسموح فيه حتى الصراخ ، انما ارسم اوجاع الناس بالحروف ، وبالسرد ، والكلمات ، ولست مغتربا ألبس بدلة وكرافات و احصد المال بمنجل الحاصدين ، او اجنيه من على الشجر ، انما عتال الحياة الذي يجاهد بالكاد لتأمين قوت العيال ، ومدخولي لا يعادل ورق الكدش ، وادفع فواتير البعد عن عائلتي واهلي بالدموع والقهر . بئس الصهاريج بخمس ساعات من الضوء لاسلخ جلدي كل يوم واسحب ذليلاً الى بيت الطاعة ، انا يا صديقي لي الحق في الحياة ، في تنفس الهواء ، في ممارسة الحرية ، في ابداء الرأي ، انا خانني الوطن ولم اخنه ، صلبني على المحطات ، وجلدني امام الفرن ، وصفني في طابور ، واعدمني في المصرف ، وذلني للماء ، والكهرباء والدواء ، وجرة غاز ، واليوم تأتي انت يا صديقي لتضعني بين خيارين : اما ان تسلب مني الرأي بالتخوين ، و اما تريدني شاة في القطيع .
بقلم علي دياب شاهين
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.







