
عقدت اللجنة التنفيذية لملتقى حوار وعطاء بلا حدود اجتماعاً افتراضياً عبر تطبيق زوم، للبحث والتشاور في المستجدات الأخيرة الحاصلة على الساحة اللبنانية، لا سيما الانفجار المأسوي الذي كشف عجز الطبقة الحاكمة والمزيد من أوجه فسادها وتقصيرها وإهمالها، ولوضع تصوّر للحلول المُمكنة، والعمل على إعداد ورقة إصلاحية سياسية – اقتصادية شاملة ومُتكاملة، والدعوة إلى التعجيل بتشكيل حكومة حيادية او مُستقلّة تضم اختصاصيين نزيهين وكفؤئين، ولمناقشة دور الملتقى في مختلف هذه الشؤون خلال المرحلة القادمة.
استهل الإجتماع مُنسّق الملتقى د. طلال حمود بالتأكيد على ضرورة مُواكبة المُلتقى للتطوّرات الخطيرة التي تعصف بلبنان على مُختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والصحية والمعيشية، مُشدّداً مرّة اخرى، على عدم التعرُّض بالشخصي أو بالإهانة أو بالتخوين أو بالتعابير المسيئة التي تمسّ حرية التعبير أو كرامة أصحاب المقامات الروحية أو المرجعيات الأُخرى المدنية أو العسكرية.
وشدّد حمود على إلإلتزام بقيم الملتقى وأهدافه وبمقتضيات الاحترام والحوار الهادئ والموضوعي، انطلاقاً من فهم الآخر وتقبّله، في الرد على أية مواقف قد لا نتفق مع ظاهرها، والانطلاق في ذلك من ضرورة مناقشة الأمور السياسية المطروحة بالكثير من الهدوء والحكمة والحرص على التواصل مع الجميع وإلى التفاهم على القواسم المُشتركة للحؤول دون تحويل الاختلاف إلى خلاف، وعدم التعرّض بأية إساءة معنوية مهما بلغت درجة التعارض السياسي معها، نظراً لما لهذه المقامات قاطبة من مكانة خاصة عند المقتدين بمواقفها وخياراتها. هكذا كانت سياسة الملتقى منذ انطلاقته وخلال مختلف المحطات: الالتزام بالحوار الهادئ والمُتّزن مهما بلغت درجة الخلافات السياسية مع اية مرجعية او اي زعيم او تيار سياسي أو فكري، لا سيما خلال هذه المرحلة التي تتركّز فيها جهود خارجية على إحداث شرخ في بنية مجتمعنا اللبناني وتحريض مُكوناته على التنافر والتباعد.
وبعد هذه المقدّمة التي اتفق عليها الجميع تناول نقاش المشاركين في اللقاء احترام مبدأ السيادة الوطنية وعلى اعتبار ان الكرامة الوطنية هي على رأس الأولويات في التعاطي مع الخارج الذي لا يجب ان يُسمح له، تحت اي مبرّر كان، أن ينتهك كرامة وعزّة واستقلال لبنان وشعبه الذي هو ليس بحاجة الى اية وصاية خارجية، كما ينادي البعض، ولا إلى إعادة الإنتداب. كذلك اتفق المشاركون على ضرورة المتابعة اليومية لكافة المُستجدات والتطورات على مستوى المشاورات الجارية بين مُختلف الأطراف وعلى الاستشارات النيابية، التي يجب ان تبدأ في اسرع وقت، وكذلك على الأمور المتعلّقة بالتكليف والتأليف ونوع الوزارة العتيدة وقانون الانتخابات وغيرها من الملفّات.
وقد تركّزت مداخلات المشاركين على التعجيل بتشكيل حكومة تضم نخبة من الخبراء المشهود لهم بالكفاءة والاستقامة ونظافة الكف، وهم كثر في بلادنا، على أن تعطى هذه الحكومة صلاحيات استثنائية لفترة ستة اشهر على الأقل، وعلى ان يكون لديها برنامج يتفق مع الحاجة المُلحّة إلى تحقيق الإصلاح المنشود على مختلف المستويات، ويلبّي آمال اللبنانيين ممّن دفعوا أثماناً غالية من دمائهم وعرقهم واقتصادهم وأموالهم وأرواح أبنائهم، ويستجيب لحاجاتهم، ويحمي مُستقبل أبنائهم من الهجرة القسرية ويؤمن لهم ولعائلاتهم الاستقرار في حياة كريمة، بعد كل تلك الأثمان التي لم يكن لهم من ذنب فيها، وإنما تكبدوها فقط بسبب “فساد السلطة الحاكمة” وعجزها عن التغيير في ظل نظام انتخابي طائفي استبدادي ومقيت. وكذلك شملت المداخلات مُتابعة إجراءات جمعية اصحاب المصارف المُتعلقة بشؤون الودائع ومصيرها، والتدقيق الجنائي لكشف أوجه الفساد ومُرتكبيه توصلاً لاسترداد الأموال المنهوبة، وجلاء خلفيات تهريبها. وفي إطار البحث عن الحلول، كان تركيز على ضرورة الاعتماد على الداخل أولاً، ومُقاربة الأزمة انطلاقا من حقيقة وواقع الحصار الخارجي والضغوط المالية والاقتصادية الناتجة عنه.
بالنتيجة، تم التوافق على ما يلي:
1. تكليف لجنة من الخبراء في الملتقى من اختصاصيين لإعداد ورقة إصلاحية اقتصادية – سياسية شاملة ستصدر بإسمه، خلال ٤٨ ساعة، وتشمل مختلف الشؤون الاقتصادية والمالية والصحية والاجتماعية والطاقوية، إضافة إلى قانون جديد وعصري للانتخابات، مُروراً بسلّة متكاملة من الإصلاحات السياسية والدستورية التي يأتي في رأس اولويّاتها استقلالية القضاء وإقرار اللامركزية الإدارية وإلغاء الطائفية السياسية وانتخاب مجلس للشيوخ يهتم بأمور الطوائف والمذاهب ويطمئنها ويُخفّف مخاوفها وهواجسها .
2. تشكيل وفود من الملتقى تقوم بجولات على كل القوى الفاعلة على الساحة اللبنانية بما فيها، وبشكل خاص، كل أطياف الحراك الحرّ والنظيف، من أجل عرض هذه الورقة على كل تلك القوى والفعاليات والأحزاب والتشاور معها في شأنها وإدخال التعديلات اللازمة عليها في حال اقتضت الحاجة ذلك.
3. متابعة شؤون المساعدات التي وصلت بعد انفجار مرفأ بيروت المؤلم بالتعاون مع غرفة عمليات الجيش المختصة بهذا الشأن، ومن خلال “جمعية عطاء بلا حدود” التابعة للملتقى والناشطة في مجال العمل الإنساني منذ سنة ٢٠٠٥.
4. إدانة كل تقصير أو إهمال أو عدم اكتراث للمخاطر المُحدقة بنتيجة تخزين مادة نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت، أياً كانت الوزارة او الإدارة او المُؤسسة أو المرفق ممّن كان لها دور في التسبّب بهذه الكارثة الوطنية، التي أصابت كل اللبنانيين في الصميم، وأدّت الى هذه الخسائر الهائلة في الارواح والمُمتلكات والاقتصاد والبنى التحتية.
5. التشديد على ضرورة أن يتّسم التحقيق القضائي الجاري في هذا الموضوع بأعلى درجات النزاهة والشفافية والصرامة والقسوة، لإنزال أقصى وأقسى العقوبات بحقّ كل من قصّر أو ساهم أو ساعد أو تواطأ، عن جهل أو عن قصد، وبحق أي مُدان بالتسبّب بهذه الجريمة المدوّية مهما علا شأنه وكان موقعه، على أن يطال التحقيق كل المسؤولين عن هذه الكارثة “الكبار” منهم و”الصغار”، وعلى ان تُطلق يد القضاء اللبناني، وليس غيره، لإنزال اشد العقوبة بالمرتكبين والمذنبين، لا سيما وأن هذا القضاء هو اليوم أمام امتحان صعب، لإثبات استقلاليّته وقدراته ونزاهته وبُعده عن التأثير السياسي، ليُشكّل المدخل الحقيقي لانطلاق عجلة الإصلاح ومحاربة الهدر والفساد ولأن فشله في الوصول إلى المرتكبين الحقيقيّين والاقتصاص منهم، سوف تكون له تداعيات خطيرة على كل مُستقبل لبنان، لا سيما لناحية محاربة الفساد والمُفسدين واستعادة الثقة والأمل في إعادة بناء ما تهدّم.
ملتقى حوار وعطاء بلا حدود







