مقالات

العدالة بين قوسين:

العدالة بين قوسين:
قيل في الأمثال اعطي القوس لباريها اي سلم أمرك الى من يتقن عمله ولكن للأسف ففي لبنان تمر السلطة القضائية في هذه الفترة بالذات بحالة من الفوضى والأرتباك التي ربما لم تشهدها من قبل وذلك نتيجة وقوعها تحت الاضواء المباشرة خاصة في ملف تفجير مرفأ بيروت وما تبعه من ملفات ترتبط بمعظمها بهذه القضية حيث اختلطت السياسة بالقضاء بشكل غير مسبوق والسبب يعود الى الأساس السيء والمسيس التي بنيت عليه هذه القضية من خلال اقتراح وزيرة العدل ماري كلود نجم لأحالة قضية تفجير المرفأ الى المجلس العدلي وقبل الوقوف على نتيجة التحقيقات الأولية حيث ان كل الموشرات كانت تدل عل ان الانفجار حصل نتيجة خطأ بشري في عملية التلحيم ادى الى اشتعال حريق تسبب بهذا الأنفجار وبما ان حجم الحدث وعدد الضحايا ليس من ضمن الشروط التي وضعها المشرع لأحالة الدعاوى الى المجلس العدلي بل تلك التي تكون ذات طابع سياسي وتهدد أمن الدولة والسلم الأهلي وبالتالي فأن المقدمات الخاطئة ستؤدي حكما الى نتائج سلبية فأن من أوكلت اليه مهمة التحقيق في هذه القضية كان بمثابة الخياط الذي اعطي قطعة قماش نصف متر وطلب منه ان يفصل منها عدة بدل فما كان منه الا ان مط القماش حتى تمزق وبانت عيوبه فالمحقق العدلي وجد امامه قضية يمكنه الأدعاء فيها بالأهمال والتقصير لأن فرضية العمل الجرمي والخلفيات السياسية غير متوافرة والمطلوب منه نتائج سريعة لأستثمارها في ادانة خصوم سياسيين وكسب شعبية من اهالي الضحايا ولأن المجلس العدلي لا يختص بالقضايا الجنحية فلم يجد المحقق حلا سوى ان يعطف مواد الأتهام على القصد الأحتمالي وتحويل الجنحة الى جناية متكلا على قوى سياسية لتغطية هذه الفضيحة وعلى مجموعة ممن يطلقون على انفسهم خبراء دستوريين لكي يفسروا المواد القانونية على غير وجهتها الصريحة ويعقدون الأختصاص بأستجواب رئيس حكومة ووزراء بحجة ارتكابهم لجرم جزائي علما انه معطوف على الاخلال الوظيفي الذي يبقى من اختصاص المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء والغريب العجيب ان المحقق العدلي قام بأنتقاء شخصيات بعينها من حقبات زمنية مختلفة للأدعاء عليها ومن قبيل الصدفة انها من الخصوم السياسيين لفريق وزيرة العدل والمفارقة الغريبة هي ان النيابة العامة التمييزية التي ادعت على هؤلاء هي وحدها ينطبق عليها القصد الأحتمالي حيث انها هي التي من خلال قراراتها ابقت على هذه المواد الخطرة وأمرت بالتلحيم بالرغم من علمها بخطورة هذا العمل بموجب كتب موجهة اليها من الاجهزة الأمنية اما المفارقة الأكبر فهي انه عندما لم تتعاون هذه النيابة مع طلبات المحقق بموضوع اذون الملاحقة استفاق وطلب الادعاء على النائب العام التمييزي بجرم الاهمال والاحتمال القصدي فكان رد النيابة التمييزية هو حفظ طلبه لعدم وجود دليل على القصد الأحتمالي وهو ما اعتبرته متوافرا بحق السياسيين في قرارين متناقضين فالسياسي قد لا يكون على دراية كاملة بخطورة النيترات اما القاضي فلا يمكن ان يعذر بجهله بهذا الخصوص خاصة ان تحذيرات الأجهزة الامنية واضحة بهذا الشأن وقد ارسلت عشرات الكتب للقضاء بينما السياسيين لم يصلهم الا كتاب واحد قاموا بأحالته الى المراجع المختصة وبالتالي فقد وقع القضاء تحت رحمة قوس السياسة وهذا ما دفع الجهات المتضررة من تسيس قضية المرفأ واستخدام القضاء كأداة للأنتقام السياسي والتأييد الشعبي الى رفع الصوت عاليا اعتراضا على هذا المسار الأعوج مطالبة بنقل الدعوى من تحت يد بيطار أسوة بالقرار القضائي الذي قضى بنقلها من تحت يد صوان ولذات الأسباب ولأسباب اكثر جدية الا ان هذه المطالبات لم تلقى اذانا قضائية و سياسية صاغية برغم التحذير من خطورة الانزلاق الى الاعتراض بالشارع ولكن المحقق العدلي لم يكترث بهذه المخاطر وارتضى بها فكانت مجزرة الطيونة التي راح ضحيتها 7 ابرياء وكادت ان تودي بالبلاد الى منزلق خطير لولا حكمة الحكماء وبالرغم من ان ملف البيطار سالت على جوانبه الدماء الا انه استمر على عناده متمسكا بأستكمال التحقيق الغير جدي والغير مجدي والذي اصبح بحد ذاته خطرا على السلم الاهلي وطغت مسألة البيطار على مسألة التحقيقات ولكي تكتمل فصول المسرحية فقد استدعى مجلس القضاء الاعلى بيطار واستمع اليه على مدى خمس ساعات ليخلص بتوصية للأسراع في انجاز التحقيق في تحدي لأرادة اكثر من نصف الشعب اللبناني
وجزأ كبير من اهالي الضحايا اعلنوا عدم ثقتهم بهذا المحقق
خاصة بعد الأشادة به من قوى غربية واحزاب داخلية معروفة بعدائها للمقاومة مشكلين قوس سياسي حول قوس العدالة مما يعزز اكثر على الارتياب ثم جاء التحقيق بجريمة الطيونة ليسقط اخر اوراق التوت عن عورة القضاء حيث انه بمجرد استدعاءه لرئيس حزب معروف بتاريخه الأجرامي وهو من اكثر المنظرين لوجوب مثول الجميع امام القضاء دون الأعتداد بمواقعهم السياسية او الصلاحيات الدستورية لينقلب المشهد بشكل كامل ويصبح القضاء مسيس ومسيطر عليه من حزب الله وانبرت الاصوات الروحية والسياسية لأضفاء ليس الحصانة بل القداسة
عليه معتبرة استدعاءه للمثول امام القضاء هو رجس من عمل الشيطان وامتهان لكرامة زعيم من لبنان في حين انهم هم انفسهم من اعتبروا ادعاء بيطار على رئيس حكومة ووزراء عمل بطولي
يستحق الدعم والمساندة السياسية والدينية ولم يقتصر الأمر على
القادة الروحيين بل انسحب على القضاء الذي وفي قرار غير مسبوق قام بتجميد عملي لقرار الأستدعاء مما دفع مفوض الحكومة لختم التحقيق دون الأستماع الى افادة رئيس الحزب
مما وضع العدالة بين قوسين قوس السياسة وقوس الدين
ولم يبقى من قوس العدالة الا اسمه بعد ان استكمل مسلسل
القرارات الغريبة بتخلية سبيل بطل مسلسل النيترات والمحروقات
بكفالة مالية قدرها عشرة ملايين ليرة لبنانية لشخص على الاقل اختلس من المال العام ملايين الدولارات حيث خزن مليوني ليتر محروقات استلمها على دولار 1500 ليرة لبيعها على سعر صرف 20000ليرة فهل يمكن للمواطن المسكين الذي يعاني من بطىء القضاء واستهتاره بحرية الموقوفين ان في لبنان عدالة
فاذا كنتم حقا تريدون اصلاح هذا البلد فلتكن البداية من القضاء فلا يمكنكم تعقيم درج بممسحة ملوثة .

المستشار قاسم حدرج

رئيس تحرير سنا نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى