
لم يعد الانهيار في لبنان محصورًا بالاقتصاد أو بالمؤسسات، بل بات انهيارًا أخلاقيًا يطال جوهر العمل السياسي نفسه. حين تسقط المعايير، يصبح الكذب أداة، والطاعة العمياء فضيلة، والإهانة خطابًا عاديًا. وما نشهده اليوم ليس حوادث منفصلة، بل مسارًا واحدًا تتكامل فيه الخدعة والاستعراض والاستعلاء، لتكشف حجم الإفلاس الذي وصلت إليه النخبة السياسية.
في قلب هذا المشهد، تبرز خدعة «أبو عمر» بوصفها واقعة خطيرة لا رمزية. فالقضية لا تتعلق بخطاب شعبوي عابر، بل بشخص ادّعى صفة أمير سعودي، واستطاع عبر وهم النفوذ الخارجي أن يحرّك نوابًا وشخصيات من الطائفة السنية بمنطق الطاعة وتنفيذ الأوامر، تحت ذريعة أن “الأمير يُطاع” وأن القرار يأتي من مرجعية عليا لا يجوز مساءلتها. الأخطر أن الخدعة لم تبقَ على الهامش، بل وقع ضحيتها نواب محسوبون على قوى وازنة، وبعضهم على تماس مع بيئة سمير جعجع، ما يفضح هشاشة القرار السياسي وارتهانه للخيال الخارجي.
هنا، لا يكون السقوط في شخص ادّعى صفة، بل في نائب قبل أن يتخلّى عن دوره التمثيلي، وأن يتحول من صاحب قرار إلى تابع ينتظر “إشارة”. هذه ليست زلّة، بل انهيار أخلاقي كامل، لأن السياسة بلا استقلال ليست سياسة، والتمثيل بلا كرامة ليس تمثيلًا.
في الوجه الآخر للمشهد نفسه، جاءت حادثة إهانة النائب فؤاد مخزومي للنائبة بولا يعقوبيان لتؤكد أن الانهيار لم يعد خفيًا، بل بات علنيًا. فبعيدًا عن أي خلاف سياسي مشروع، فإن تحويل الخصومة إلى إساءة شخصية وبنبرة استعلاء يعكس ثقافة سياسية ترى في السلطة أداة إهانة لا مسؤولية عامة. الأخطر من الإهانة ذاتها هو غياب أي شعور بالمساءلة أو الحاجة إلى الاعتذار، ما يعني أن الانحدار بات مقبولًا ومكافأً.
خدعة «أبو عمر» وإهانة مخزومي ليستا حادثتين منفصلتين، بل تعبيران عن المرض نفسه: في الأولى تُغتال الحقيقة ويُستبدل القرار بالطاعة، وفي الثانية تُغتال الكرامة ويُستبدل النقاش بالإهانة. كلاهما يفرغ السياسة من معناها، ويحوّلها إلى مسرح عبثي تحكمه الغرائز لا القيم.
ولم تكن هذه الوقائع لتأخذ هذا المدى لولا غياب المرجعيات السنية التقليدية القادرة على الضبط والتوجيه. فلطالما شكّلت دار الفتوى مرجعية معنوية ووطنية تؤمّن حدًا أدنى من التوازن وتمنح الغطاء الأخلاقي للقرار في المحطات المفصلية. إلا أن انكفاء هذا الدور وحصره في الإطار الديني الضيّق، مع تراجع الزعامة السنية الجامعة، ترك الساحة في حالة تيه وتموضع فردي، وحوّل القرار إلى اجتهادات شخصية وانتظار لإشارات خارجية. في هذا المناخ، يصبح الادعاء بالتمثيل الخارجي أداة ضغط فعّالة، وتغدو الطاعة بديلاً عن السياسة.
لبنان اليوم يعيش انتظارًا أخلاقيًا قبل أن يكون انتظارًا سياسيًا. انتظار لقيادات تفهم أن الشرعية لا تُبنى بالوهم ولا بالصراخ ولا بالإذلال، بل بالمشروع والاستقلال واحترام الناس والعقل العام. المشكلة ليست في أسماء بعينها، بل في نموذج سياسي يشرعن التبعية ويكافئ الانحطاط. والخروج من هذا المأزق لا يكون بتبديل الوجوه فقط، بل بإعادة تعريف السياسة نفسها: من مساحة طاعة واستعراض، إلى مجال مسؤولية وأخلاق.
وفي خاتمة هذا المشهد، يبرز الغياب الأكثر دلالة: غياب نموذج أخلاقي في الحكم، من طراز سليم الحص، الذي مثّل في زمنه زعامة ضمير لا زعامة سلطة. في حضوره، كان القرار يُصاغ من موقع الاستقلال، وكانت السياسة تُمارَس باعتبارها خدمة عامة لا ساحة استعراض. لم يكن هذا النموذج مثاليًا أو منزّهًا، لكنه كان مرجعًا أخلاقيًا يضع كرامة الموقع فوق الحسابات، ويجعل الإهانة خطًا أحمر، والتبعية عارًا سياسيًا. غياب هذا النموذج اليوم لا يعني فقدان شخص، بل فقدان ميزان، وفي غيابه تفهم كيف تفلس القيم قبل أن تفلس الدولة.
فالدول لا تنهار فقط حين تفلس خزائنها، بل حين تفلس قيمها… وهذا ما يعيشه لبنان اليوم بأوضح صوره.
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.






