
عدت إلى المكان ذاته الذي أضعتُ فيه نصف ليرة معدنية فضيّة اللون قبل خمسةوخمسين سنة كنت سأشتري بها وردة بيضاء لأهديها لزميلتي الجميلة مونيك شوحا في مدرسة الكبوشية قبل أن يهديها وردة احد من زملائي كعبدالمجيد حسابات بلال مرعي او بسام حرب او مدحت دعجة او جيلبير شمعون.
لم أجد العملة الفضيّة اللون إنما وجدت كتابا قديما للمرحلة الابتدائية اكله العتّ بين جرائد و مجلاّت “العربي” و “طبيبك”.
تذكرته، اول كتاب قراءة تعلمت منه اللغة العربية،الدرس الاوّل:
أ-و-ي.
تصفّحته وإذ بالقطعة المعدنية تسقط من بين اوراقه،تناولتها بلطف،تأملتها بحنان.
وضعتها بجيبي وقمت من مكاني وتوجهت فورا لبائع الورد …
لم اشتر وردة بيضاء لأني لن أجد مونيك ولأن مدرسة الكبوشية في شارع الحمراء قد أقفلت منذ سنوات ولم يبق غير الكنيسة.
لم اشتر وردة لأن نصف الليرة لا تشتري حتى شوكاً إنما تأملت الورد الذي لطالما تأملته صغيرا وانا اشجع نفسي لاشتري وردة واحدة لاقدمها لزميلتي اللطيفة.
كانت النصف ليرة مجهود توفير لأكثر من شهرين.
ابتعدت عن بائع الورد الجديد،حفيد القديم ،الرجل العتيق الذي اعرفه،ابتسمت وانتبهت وتمتمت:
كم صار عمر مونيك؟
وأكملت طريقي وانا على يقين ان العمر كله يساوي نصف الليرة المعدنية الفضية الموجودة الان في جيبي.
قيمة الأشياء في لحظتها و متعة الحياة في وقتها.
ومضى قطار العمر.
تذكرت اسم فيلم هندي حضرته خالتي المرحومة احد عشر مرة في سينما سميراميس في الزيدانية وكانت تعود في كل مرة بعينين مورمتين من البكاء اسمه:
ولدي…
وتذكرت اعلاناً لفيلم مصري بطولة رشدي اباظه وشهيرة أحببت أن اشاهده الا ان العين كانت بصيرة واليد قصيرة اسمه:
ضاع العمر يا ولدي.
لا بأس الآن وكأني حضرت الفيلمين، لا، وكأني مثّلت بدور البطولة الفيلمين الهندي والمصري واقعا وحقيقة.
ما زلت أمثل ولغاية الآن فيلم محمود ياسين:
الرصاصة لا تزال في جيبي.
ظننا انها افلام،تبين لنا ان حياتنا أسوأ







