
في خضم التجاذبات الإقليمية المعقدة، تقف إيران كقوة عظمى لا يمكن إنكار صلابتها وعظمتها في المنطقة. ومع ذلك، عندما بلغت الأمور حداً من الانسداد، لم يتردد العدو الإسرائيلي في اتخاذ قرار يرقى إلى مستوى الانتحار الاستراتيجي، عبر هجومه على إيران، سعياً للتخلص من حالة القلق الوجودي التي تفرضها طهران على الكيان. والحقيقة، بعيداً عن أي مجازفة في التعبير، أن إسرائيل بهذا الهجوم تدفع ثمناً باهظاً وجسيماً، وستخرج من هذه المواجهة منهزمة، ولعل مكسبها الوحيد سيكون الحصول على ضمانات بعدم امتلاك إيران للسلاح النووي، وهو السلاح الذي لا تسعى إليه طهران أصلاً.
هذه المقدمة ليست مجرد استعراض للقوة، بل مدخل ضروري لفهم حقيقة أعمق: أي مجتمع يصل إلى جدار مسدود وأفق مغلق، يجد نفسه مدفوعاً نحو التصادم، متجاوزاً حسابات موازين القوى أو حجم الثمن الذي سيدفعه. هذا هو المنطق الذي حكم كل حروب البشرية منذ قصة قابيل وهابيل، التي تمثل في جوهرها توصيفاً عميقاً لحالة التصادم الناشئة عن التفوق؛ فحين يتفوق طرف على آخر، حتى لو كان ذلك بتوفيق إلهي، فإن الطبيعة البشرية، في جانبها المظلم، ترفض هذا التميز وتنزع نحو المواجهة.
وهذا ما ينطبق، بشكل أو بآخر، على الطائفة الشيعية التي عانت من الحرمان لقرون طويلة، حتى أصبحت عبارة “المحرومين” لصيقة بها. ولكن، شاءت الأقدار، وتراكم القهر، وحجم التضحيات، أن يحدث تحول تاريخي عميق، لم يدفع بالشيعة في لبنان فحسب، بل في العالم أجمع، إلى أعلى درجات سلم المجد والقوة. لقد كان نصراً إلهياً تحقق بفضل الدماء الزكية والتضحيات الجسام والعطاءات غير المحدودة. لكن السؤال المحوري اليوم هو: هل نجح الشيعة في الحفاظ على هذا النصر العظيم وهذه المكاسب التاريخية؟
للأسف، إن الشيعة الذين انتقلوا من حالة الحرمان إلى حالة القوة والحضور الإقليمي الفاعل، لم يحسنوا إدارة هذه المكتسبات، ووقعوا في أخطاء استراتيجية قاتلة، إن لم تتم معالجتها بحكمة وشجاعة، فإننا سندفع ثمناً يتجاوز الحرمان، وقد يمس وجودنا ذاته.
الانغماس في السياسة الداخلية الصغيرة
لماذا يتوجب على مقاومة، مشروعها تحرير فلسطين وتخوض صراعات إقليمية ودولية، أن تتحالف مع تيار مسيحي ضد تيار مسيحي آخر؟ وعندما يشن التيار المسيحي الخصم هجوماً على الشيعة، أو حتى على حليفهم المسيحي، تتحرك البيئة الحاضنة للمقاومة وتطلق العنان للمواقف الشاجبة والتصريحات النارية ضد هذا التيار. لو أن حركة أمل، التي ينحصر صراعها وخصوماتها إلى حد كبير داخل الساحة اللبنانية، هي من عقدت هذا التحالف، لكان بالإمكان فهمه وتبريره ضمن سياق المعركة السياسية اللبنانية الصرفة. لكن أن تضع مقاومة بهذا الحجم نفسها طرفاً في لعبة سياسية طائفية داخلية صغيرة، هي أكبر منها بكثير، فهذا خطأ استراتيجي فادح.
وأين هي النتائج الإيجابية لهذه التحالفات؟ ماذا قدمت للمقاومة ولبيئتها؟ كل ما أثمرته هو أنها منعت وصول رئيس حليف للمقاومة، وبسبب عناد الحليف والأسلوب الذي أديرت به السياسة، خسرت المقاومة فرصة وجود رئيس وحكومة تمتلك فيهما حصة وازنة أو ما يُعرف بالثلث المعطل. وربما، لو انتُخب سليمان فرنجية رئيساً، لتغير مسار الأحداث، ولما استُشهد السيد نصرالله، ولما دُمر الجنوب وقُصفت الضاحية، ولما خسر الشيعة الكثير من نفوذهم السياسي. ومع ذلك، ما زال البعض يدافع عن تلك الخيارات ويشحذ العصبية الطائفية، وكلما أطلق سياسي من التيار الذي كان حليفاً لحزب الله تصريحاً، هللت بيئة المقاومة وكبّرت، معتبرة إياه قمة في الوطنية والالتزام. السياسة لا تدار بهذه السطحية العاطفية.
االإمبراطورية الإعلامية
هذا الكلام ليس موجه الى قناة المنار لان قناة المنار تعبر عن فكر وايدلوجية المقاومة
لكن لم يسبق في تاريخ حركات المقاومة، ولن يحصل في المستقبل، أن بنت مقاومة لنفسها إمبراطورية إعلامية ومحطات فضائية خاصة تدعمها، إلا المقاومة الإسلامية في لبنان. لا أعرف من أقنع قيادتها بهذه البدعة التي لا تفسير علمياً أو سياسياً أو اجتماعياً لها. فالمقاومات على مر التاريخ، من الثورة الفرنسية إلى الكوبية والجزائرية، كانت تكتفي بإعلام بسيط ومباشر يقتصر على البيانات والتصريحات المقتضبة. فعندما تنشئ فضائيات موجهة ضد الآخرين، فإنهم بطبيعة الحال سينشئون فضائيات مضادة لك، وهنا تدخل في معركة استنزاف على صعيد الرأي العام، وهي معركة مهما كنت فيها قوياً وصادقاً ومضحياً، ستخسرها في النهاية، لأنك أضفت إلى قائمة أعدائك أعداءً جدداً أنت في غنى عنهم.
والأدهى من ذلك، أنشاء فضائية كالميادين ومنحها امتيازات حصرية، بحيث أصبحت إطلالات السيد حسن نصرالله محصورة فيها، إضافة إلى الأخبار الخاصة بالمقاومة التي كانت مؤسسات إعلامية كبرى مستعدة لدفع ملايين الدولارات مقابلها. كل هذه الامتيازات، بالإضافة إلى الدعم المالي، حُصرت بفضائية يديرها إعلامي من أصول غير لبنانية. من الطبيعي أن تجذب إطلالة السيد الملايين من المشاهدين لهذه القناة، مما يدفع بقية الفضائيات التي تخسر جمهورها إلى شن هجوم على السيد والمقاومة، أو ربما الذهاب نحو التعاقد مع دول مناهضة للمقاومة من أجل البقاء والاستمرار.
أضف إلى ذلك بدعة أخرى، وهي صناعة “الأبواق الإعلامية”. الثورات العظيمة كتب عنها فلاسفة ومفكرون كبار، مثل جاك روسو الثورة الفرنسية علي شريعتي والشيخ مطهري في الثورة الإيرانية. أما قادة المقاومة، فكانوا يكتبون بأنفسهم، مثل تشي غيفارا، أو يدققون في كل كلمة تُنسب إليهم، مثل جورج واشنطن. لكن في حالتنا، هل نسينا الإعلامي الذي تهجم على دولة الكويت الشقيقة عبر قناة المنار، وما زال الشيعة في الكويت يدفعون ثمن تهجمه حتى اليوم؟ هل تم إقصاؤه؟ لا، بل تحول إلى نجم يومي على فضائيات المقاومة، ودافعت عنه بيئتها، مما تسبب بأزمة دبلوماسية أدت إلى طرد عشرات الشيعة اللبنانيين من الكويت. وبالمثل، يتم دعم إعلاميين مسيحيين، كل مهمتهم هي التهجم على البطريرك الماروني، ويتحولون إلى “تريند” لدى بيئة المقاومة. ما هي الفائدة المرجوة من كل هذا؟
لقد أدخلت هذه الأبواق المقاومة في صراعات يومية لا تنتهي، وهم هذه الابواق هو البقاء في المشهد الاعلامي للتنفع ماديا وشهرة وكل ذلك على حساب المقاومة.
والطامة الكبرى كانت في إقناع محور المقاومة بإنشاء فضائية مهمتها منافسة الجزيرة واستقطاب موظفيها. هل يعقل أن تدخل مقاومة في صراع مباشر مع مؤسسة إعلامية بحجم الجزيرة، التي تخشاها دول عظمى وتبلغ ميزانيتها قرابة المليار دولار سنوياً؟
أنا شخصياً، كنت أكتب دفاعاً عن المقاومة في صحيفة عرب تايمز التي تصدر بامريكا قبل اغلاق موقعها، وكان يقرأها مئات الآلاف. هل تمت استضافتي أو دعمي كما تم دعم الكثيرين الذين وُظفوا برواتب فلكية؟ بل تصلني يومياً عشرات الدعوات للمشاركة عبر فضائيات للمقاومة، ولكن بالمجان. بينما البرامج المدفوعة محصورة ببعض الاسماء القليلة، هذا التمييز يخلق شعوراً بالظلم والإقصاء لدى النخب المؤمنة بالمقاومة، ولو لم يكن إيمانها عميقاً، لكانت انقلبت عليها بسبب إعلامٍ بدلاً من أن يجمع، فرّق، وجعل من هذا ابن سيدة وذاك ابن جارية.
واليوم، أين هو هذا الإعلام الذي لا يتجاوز عدد مشاهديه في أفضل أحواله الخمسين ألفاً، بينما تحصد الجزيرة أضعاف هذا الرقم؟ لقد دفعنا في الإعلام ثمناً باهظاً، تماماً كما دفعنا في السياسة، ومع ذلك لم يتغير شيء.
ختاماً، أنا لا أدافع عن وليد عبود، بل أشرح أسباب ونتائج الصراع وما هو أعمق. اليوم تم إيقاف حلقته على مؤسسة رسمية، لكن لو كان يُعرض على محطة خاصة، من كان سيوقفه؟ يجب معالجة هذه الأخطاء الاستراتيجية من جذورها قبل فوات الأوان.
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.







