
من عاداتي السيئة مراقبة الناس و دراسة أشكالها بعقلي عند المشاهدة،بعد عدة مشاهدات للموضوع نفسه تيّقنت ان معظم الناس مثلي مهزومة انّما عرفت أين تختبىء بينما انا ما زلت تائها وتافهاً وعارياً لا اجيدُ الاختباء.
لا اعرف إن كان الأمر احتراما لبياض شعري او للَقبي كطبيب او لمعزّة و لاحترام الناس لي يجلسوني في صدر كل مجلسٍ أكان في النادي الحسيني أو في باحة منزل لتقبّل التعازي في مناسبة مجلس عزاء أو في قاعة لمسجد يديرها اهل السنّة والجماعة في بيروت.
راقبت المعزّين ،أجسام ملتوية إما إلى الأمام أو إلى الجانب الأيمن أو الايسر،وجوه شاحبة،صفراء بعيون ذابلة.
لا أجسام رياضية ولا قامات منتصبة و لا هامات عالية،يجرجرون أنفسهم جرّاً بصمت احتراما لحدث الموت.
هل حدث الموت الذي يجعلهم يبدون هكذا ام هم هكذا فعلا.
راقبتهم من نافذة البيت ومن شرفة المنزل،اختبأت في السيارة وتابعت المارّة من المرآة الجانبية والامامية.
عندما يمشون فرادى ينحني رأسهم إلى الأمام كأن الرأس أثقل مما تحتمله فقرات عامود الرقبة والصدر والعضلات.
فرادى يبدو الرأس ثقيلا وعند اي لقاء تتبدل الأشكال إذ يرتفع الرأس فجأة ويتقوّم العامود الفقري ذاتياً وتعود النضارة ولو قليلا إلى الوجه مع ابتسامة لطيفة.
ما إن ينفضّ اللقاء حتى يعود كل واحد إلى هزيمته بمجرّد الاختلاء بنفسه.
تبدو افكار الناس ثقيلة بهمومها وبخيباتها وبمرارتها.
سقطت الناس .
هُزمت.
مرضت.
ثقلَ رأسهم.
اختبأت الناس ما استطاعت بالأفكار الدينية وبطقوس الإيمان والتواضع وبالبساطة ليموّهوا قدر الإمكان أحزانهم وهزائمهم بثوب التزهد والتصوّف و التعبّد و الصبر كعلامة لتحمّل البلاء.
عند عودتي خائباً ناداني اخ لي وسألني هل عرفت الجالس هناك على الكرسي قبالة الدكان عند رصيف الشارع امامك.؟
قلت لا.
قال إنّه قاسم الذئب.
قلت ماذا؟!
أهذا قاسم الذئب؟
قال انّه هو،اذهب والقي عليه التحيّة،ضعف بصره،انحلّت قواه،على كرسي متحرّك،قال الأطباء ان قلبه لن يخفق لأكثر من شهرين .
قاسم الذئب الذي كان يخيف الشارع والبلدة والمدينة بكبريائه وبقوّته إن غضب صار مسكينا يستعطي وصار غير قادر على إكمال عباراته.
اغتالته المدينة.
التفت زواريب المدينة حول عنقه كمشنقة.
اقتربت قبّلته برأسه وسألته إن عرفني فاجاب:
انظر لقاسم الذئب يا حكيم ،هل تراني فعلاً؟
هل هذا انا؟
دمعت عيني ومضيت.
لا داع لتوصيف الناس،اجلسوا و راقبوا الناس ،ناس الاعراس والمطاعم يتبدّلون.
يتحوّلون.
كل واحد منّا عندما يختلي بنفسه ينحني رأسه إلى الأمام ويلتوي عاموده الفقري ذاتيا.
الرأس ثقيل.
ثقيل جداً.
من هنا ومن تحت شجرة بلح محررة في بيروت وجالساً على تنكة نيدو صدئة ومطعوجة اشهد ان كل من عليها زائل حتى الامريكان والالمان ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام.
الرأس ثقيل جدّاً.
بدأ زمن التواء العامود الفقري.
والله اعلم.
د احمد عياش.
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع







