
يسعد صباحكم…
الغربة الحقيقية التي أعيشها ليست في بُعدي عن أرض الوطن، بل في وحدتي وسط مجتمعي.
أشعر أنني أغرّد خارج السرب، لا لأنني مختلفة شكلاً أو لهجةً أو انتماءً، بل لأنني أفكر بطريقة لا تشبه المحيط، أطرح الأسئلة التي يخشى الآخرون مجرد التفكير بها.
أتساءل مع نفسي كل يوم:
هل هذا الدافع الذي يحثّني على الكتابة والتفكير والحوار هو ضرب من السذاجة؟
هل خوفي على وطني وتمسكي بالأمل والتواصل وتبادل الأفكار يُعتبر خيالًا بعيدًا عن الواقع؟
أم أن الواقع نفسه بات غريبًا عن كل ما هو إنساني؟
حين أكتب مقالا عن وطنٍ تتكالب عليه الأنياب من الداخل والخارج، يمرّ الكلام كأنه لم يُكتب، لا صدى ولا تفاعل…
لكن إن نشرت صورة شخصية، تنهال التفاعلات!
ألهذا الحد أصبحت القضايا الكبرى التي تتدخل في حياتنا اليومية لا تعني أحدًا؟
ألهذا الحد أصبح شكلنا أهم من صوتنا، وصورتنا أغلى من فكرنا؟
أقولها بصدق: لست أدّعي امتلاك الحقيقة، ولا أطلب تصفيقًا.
ولكنني من تراب هذا الوطن، وجذوري من صخوره، ولغتي من أنينه… فهل يُعقل أن أرى الخطر ولا أتكلم؟
أنا أكتب لأنني أؤمن أن كلّ أم، كلّ أب، كلّ صاحب ضمير… مُكلّف أخلاقيًا وإنسانيًا بالقلق والعمل من أجل مستقبل أولادنا.
ومن ثم أعود وأتذكر الآيات الكريمة التي تتحدث عن الأكثرية
“وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله” (الأنعام: 116)
هذه الآية ترنّ في أذني دائمًا… تُعلّمني أن الأكثرية ليست دائمًا على حق، وأن صوت الحق قد يكون خافتًا لكنه أصدق.
“وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين” (يوسف: 103)
غالبية الناس تركن للراحة، تتجاهل الخطر، تُزيّن لها الحياة اليومية التي تمضي بلا مسؤولية.
ولكن ماذا عن القلّة القليلة التي ما زالت تفكر، تقلق، تكتب، تُحذّر؟
هل يُعقل أن تُتهم بالمثالية والسذاجة فقط لأنها ترفض أن تتأقلم مع العبث؟
أنا لا أطلب المستحيل… بل أرجو أن نستيقظ، أن نُبادر، أن نبني جسور محبة بدل الحواجز، وأن نواجه الحقيقة بدل أن ندفن رؤوسنا.
“قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا” (سبأ: 46)
قيامنا لا يبدأ بالثورات، بل بالتفكر.
بأن نسأل أنفسنا: أين نحن من كل ما يحدث؟
ماذا سنقول لأولادنا حين يسألوننا: لماذا سكتّم؟
نحن نواجه عدوا لا يؤمن بشيء سوى المال، وكل جريمة يرتكبها هي فرصة لزيادة أرباح شركات تُدير الحروب عن بعد.
نعم، علاقات الدول تبنى على الفلوس، ولكن مصائر الشعوب تُبنى على الوعي.
فلا تكن من الذين قال الله عنهم:
“ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون” (الحجر: 3)
أفيقوا قبل أن تُدقّ أبواب بيوتكم…
فنار الحرب لا تفرّق، وعقاب التاريخ لا يرحم، والسكوت ليس نجاة بل خيانة.
كلّ واحد فينا مسؤول، ولو بكلمة، أو حتى موقف.
بقلم خلود وتار قاسم
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.







