
عندما هبط كيسنجر في تل أبيب كوزيرٍ لخارجية أمريكا، استقبلته رئيسة وزراء إسرائيل جولدا مائير قائلةً له أثناء مصافحته: “أنت يهودي وعليك أن تعمل لإسرائيل ولليهود”. نظر إليها مبتسمًا وأجاب: “سيدتي، أنا أمريكي ووزير خارجية أمريكا، أنتمي إلى الدين اليهودي”. فردّت بابتسامة: “نحن اليهود نقرأ من اليسار إلى اليمين، فأنت يهودي ووزير خارجية أمريكا، ومهمتك هي مساعدة اليهود وإسرائيل”.
بهذه العبارة، لم يُلغِ كيسنجر يهوديته، لكنه علّم الإسرائيليين أن الدولة التي يمثلها هي أولويته، لا الحنين، ولا المذهب، ولا دمعة أمّ على جبل الهيكل.
في المقابل، سقطت أورتاغوس اليهودية في الفخ ذاته، ولكن بشكلٍ معاكس. فبدلًا من أن تكون ممثلة للدولة الأمريكية، تحولت إلى ما يشبه المتحدثة باسم إسرائيل. وذهبت بعيدًا في مهمتها، فبعد أن كانت تحمل ورقة أمريكية إلى الدولة اللبنانية، أصبحت، بتأثير من بعض السياسيين اللبنانيين، مبعوثة تسعى لتطبيق السياسة الإسرائيلية على حساب المصالح الأمريكية.
وكذلك السيد طوم باراك، اللبناني الأصل والأمريكي المهمة. هو أيضًا لم يستطع، على ما يبدو، الخروج من عباءة قوميته، مما دفعه إلى دق ناقوس الخطر علنًا، وكأنه يصرخ في وجه ساسة لا يفهمون الإشارات ولا يدركون ما يُحاك لبلدهم، محذرًا من أن لبنان “يواجه تهديدًا وجوديًا، وأنه إذا لم يتحرك، فسيصبح مرة أخرى بلاد الشام”.
ويختلف تحذير باراك عن خطاب أورتاغوس جذريًا. فعلى الرغم من أن خبرته تكمن في الاستثمار أكثر من السياسة، إلا أن إشرافه المباشر على ملف إعمار سوريا الذي تُقدّر تكلفته بأكثر من ألف مليار دولار، يمنحه اطلاعًا دقيقًا على ما يُعد للمنطقة.
بدأت القصة مع ملف إعمار سوريا، عندما ظنت روسيا أنها قادرة على إخراج إيران وحلفائها مقابل الحصول على عقود إعمار بقيمة 800 مليار دولار. لكن ترامب نجح في خداع روسيا وتشجيعها على اسقاط الاسد، واستمر في خداعه بعد تسلمه الرئاسة في حديثه عن انتصار روسيا ووقف الدعم العسكري لاوكرانيا بعد اهانة رئيس اوكرانيا علنا، سقط الاسد وسقطت سوريا في يد الامريكي، وتمكنت واشنطن زمام المبادرة. وهكذا، انتُدب باراك للإشراف على عملية الإعمار الضخمة، على أن تكون حصة الأسد (80%) لرجال أعمال أمريكيين.
ولكي تنطلق هذه العملية، يجب على النظام السوري الجديد أن يتجه نحو سلام مع إسرائيل لتبدا تدفق الاموال العربية لاعمار سوريا، وهو ما يتطلب تقديم مكافآت سياسية له. ولأن المكافأة لا يمكن أن تكون على حساب إسرائيل أو العراق، وبعد صفقة أمريكية مع تركيا والعراق على حساب الأكراد، بقي لبنان الحلقة الأضعف.
يُضاف إلى ذلك أن الحكومة السورية الجديدة، القائمة على دستور ديني، قد لا تكون قادرة على دمج العلويين أو إقصائهم دون إثارة نزاعات. ولأن الإدارة الأمريكية تريد استقرارًا كاملًا لسوريا، فقد طُرحت فكرة الدولة العلوية على امتداد الساحل، وهو ما سيفقد دمشق منفذها البحري. وهنا، تم تسريب فكرة أن تكون “طرابلس هي المنتجع البحري لسوريا”، كتعويض يبرر للنظام الجديد التنازل عن الجولان وقيام دولة علوية، والتطبيع مع إسرائيل.
وبما ان اموال الاعمار يجب ان تتركز على سوريا، بدل ان تقسم بين اعمار سوريا وغزة ولبنان، والمبلغ كبير جدا حيث يتجاوز الالفي مليار دولار امريكي.
قرر ترامب ان يطلق يد نتنياهو في غزة، وان يمنع اعادة الاعمار عن لبنان تحت حجج واهية تقوم على وضع لبنان أمام خيارين أحلاهما مر:
1. إذا سلّم حزب الله سلاحه: تكون أمريكا قد خدمت المصالح الإسرائيلية وهيمنت على لبنان دون أن تقدم أي دعم يذكر، لأن الأولوية لسوريا.
2. إذا لم يسلّم حزب الله سلاحه: ستقول أمريكا للبنانيين “حاولنا مساعدتكم لكنكم رفضتم”، وسيتم وقف الدعم والاعمار عن لبنان.
الأمريكيون غير متضررين من الفوضى في لبنان، فإن حصلت، ستُطبّق نظرية كيسنجر بأن لبنان “خطأ جغرافي”، فيذهب بعضه لسوريا والبعض الآخر لإسرائيل.
كما إن “تلزيم” الملف اللبناني لسوريا هو أحد السيناريوهات التي تعمل عليها أمريكا. لقد نجحت سابقًا بدعم حافظ الأسد عندما فوّضته بالقضاء على المنظمات الفلسطينية والقوى المسيحية لتصدير أزمته الداخلية الى لبنان. واليوم، يهمها مساعدة النظام السوري الجديد على تصدير أزمته وتداعيات التطبيع، من خلال تفويضه مجددًا بالملف اللبناني، ليقوم بضرب من يرفض الشروط الأمريكية والإسرائيلية خاصة الشيعة والفلسطينيين المعارضين لحكومة اوسلو، تمامًا كما فعل حافظ الأسد في الماضي، وبذلك تكون الحكومة السورية الجديدة استطاعت تصدير ازمتها والحصول على مداخيل مالية جديدة من الاسواق اللبنانية والشعب اللبناني مما ينعش اقتصادها، وتعويض الودائع السورية التي وضعت في المصارف اللبنانية، وتحرير السجناء، وتشريع بقاء النازحين السوريين وتحويل اللبنانيين الى نازحين ومهجرين في العالم كما حصل مع الموارنة عندما تم تهجيرهم في اصقاع الدنيا.
كما ان امريكا كما حكومة الشرع يهتمون بالتخلص من المرتزقة المتشددين غير السوريين الذين قاتلوا في صفوف جبهة النصرة، والمكان الافضل للقضاء عليهم بعيدا عن سوريا هو اقحامهم بحروب مع المقاتلين اللبنانيين وفي طليعتهم الطائفة الشيعية، مما يعني اصابة عدة عصافير بحجر واحد.
اما اسرائيل فتقدم الجزء اللبناني الذي اصبح ملكها لعرب 48 اضافة الى بعض الغزاويين واهالي الضفة وبذلك تحل جزء كبير من مشكلتها الوجودية على حساب لبنان وشعبه.
هذا سبب صراخ طوم باراك بوجه اللبنانيين الغارقين باحلام التحاصص الطائفي والمذهبي.
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.







