أقتصاد

مصرف لبنان بين أعادة الهيكلة وأعادة البناء!!!

مصرف لبنان بين أعادة الهيكلة وأعادة البناء!!!


تأسس مصرف لبنان وفقا” لقانون النقد والتسليف الصادر في 1 آب 1963، بموجب المرسوم رقم 13513. المصرف هو كيان قانوني عام يتمتع بالاستقلال المالي والإداري . شكل مصرف لبنان منذ انطلاقته وحتى بدايات الحرب اللبنانية في العام 1976 مؤسسة نقدية مارست الدور الذي رسم لها وفقا” لقانون النقد والتسليف الذي أنشأت بموجبه ، ساعدها في ذلك فترة الانتعاش الاقتصادي الذي عرفه لبنان في الستينات ومنتصف السبعينات ، ومع اندلاع الحرب اللبنانية وانفجار الوضع الامني وتدهور الوضع الاقتصادي والمالي بشكل دراماتيكي واجه مصرف لبنان الكثير من الصعوبات والمشاكل على مستوى السلطة والمسؤولية وعلى مستوى الممارسات الى ان تزعزع وضع القطاع المصرفي وتدهورالوضع النقدي بشكل غير متوقع . بعد توقيع اتفاق الطائف مطلع التسعينات بدأت مرحلة جديدة في تاريخ مصرف لبنان، فرضت هذه المرحلة على المصرف مسؤولية معالجة مشاكل كثيرة لحقت بالقطاع المصرفي ، والعملة الوطنية من جراء الحرب أتبع خلالها المصرف سياسات وهندسات مالية ونقدية استثنائية خارجة عن تلك السياسات التي عرفها في زمن الازدهار . وكان على رأس المؤسسة هذه رياض سلامه القادم من عالم المال والاعمال الواسع في الولايات المتحدة الاميركية وفي اوروبا والذي أتى بناءا” على رغبة من الرئيس الراحل رفيق الحريري .
أتى رياض سلامة وبيده أجهزة رقابة ومتابعة فاعلة تم أنشاؤها في عهد الحاكم الياس سركيس والذي تم انتخابه لاحقا” رئيس للجمهورية ، فقد قام سركيس بانشاء لجنة الرقابة على المصارف ، الهيئة العليا المصرفية ، المؤسسة الوطنية لضمان الودائع ، وكانت هذه المؤسسات والمديريات كافية لحسن أدارة مصرف لبنان لو أنها كانت مستقلة تماما” عن أدارة مصرف لبنان . اقسى ما واجهه مصرف لبنان كان في ظل الحاكم ميشال الخوري وهو بدء مرحلة التدهور بدءا من الاجتياح الاسرائىلي عام 1982 وانتهاء باغتيال رئيس الحكومة آنذاك رشيد كرامي وقد ادى هذا التردي الى تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية من 5.49 ليرة للدولار الاميركي الى 455 ليرة في نهاية 1987 مترافقا مع تراجع كبير في ودائع المصارف وارتفاع نسبة الدولرة ، وكانت بداية ازمة التعثر المصرفي عندما توقف بنك المشرق عن الدفع عام 1989 ثم توالت التعثرات ، ومن ثم مع المضاربات ضد الليرة والتي وصل سعر الدولار الى 890 ليرة وتدنى الاحتياط الى 588 مليون دولار . ثم أتى ادمون نعيم والذي عين حاكماً عام 1985 وكانت من اصعب الولايات واقساها ووصل الاحتياطي الى 233 مليون دولار. في آب 1993 دخل رياض سلامة مصرف لبنان حيث شكل منعطفاً تاريخياً وارتفعت الاحتياطات من 1.4 مليار دولار عام 1992 الى اكثر من 36 مليار دولار عام 1997 وارتفاع الودائع المصرفية من 6.6 مليارات دولار الى نحو 150 مليار دولار وارتفاع الموجودات الخارجية للمصارف من 1.4 مليار دولار الى 36.8 مليار دولار وتجاوزت الميزانية المجمعة للمصارف 165 مليار دولار. وقدم سلامة خلال فترة ولايته المستمرة سياسات وهندسات مالية جديدة لم يكن يعتمدها المصرف من قبل ، هذه الهندسات والسياسات كلفت لبنان دين عام تجاوز 100 مليار دولار وفوائد خدمة دين تجاوزت 93 مليار دولار .
بعد الكارثة التي أوصل أليها الحاكم مصرف لبنان ولبنان وبداية الأزمة في تشرين أول 2019 ، وعدم تسديد سندات الدين ، وأقفال المصرف وتمنعها عن دفع الودائع ، أعلن مصرف لبنان في 16 تموز 2020، عن إنشائه “لجنة إعادة هيكلة المصارف”، بهدف دراسة واقتراح التعديلات الضرورية على الضوابط الاحترازية لعمل المصارف ، وإعادة هيكلتها ، ودراسة أدائها المالي واقتراح الخطوات اللازمة للحفاظ على سلامة القطاع المصرفي .
لكن أعادة الهيكلة يحتاج لها مصرف لبنان أكثر من المصارف التجارية فخسائر مصرف لبنان وفقا” للميزانية الموقوفة في نهاية شهر أيلول من العام الحالي بلغت حوالي 86،81 الف مليار ليرة لبنانية ، وقد وردت تحت بند أصول أخرى . أما بخصوص الفجوة بموجودات العملات الأجنبية في نفس الميزانية فقد بلغت حوالي 70 مليار دولار هذا المبلغ أختفى نتيجة للأسباب التالية :
– الهندسات المالية التي قام بها مصرف لبنان والتي زادت من أرباح المصارف بالعملة الصعبة.
– تثبيت سعر صرف الدولار مع رفع الفوائد على سندات الخزينة اللبنانية والتي تم تحويلها لاحقا” الى العملة الصعبة وتم سحب جزء كبير منها .
– تمويل نفقات الحكومة اللبنانية بالعملة الأجنبية وخاصة في موضوع معامل الكهرباء والمحروقات .
أن حجم الخسائر الكبير والفجوة التي ظهرت في بيانات مصرف لبنان وبهذا الحجم يدفعنا الى التساؤل عن وظيفة مصرف لبنان والصلاحيات الكبيرة المعطاة للحاكم والتي أوصلت المصرف الى هذا الدرك دون أن يتم محاسبته ومعاقبته على النتائج الكارثية التي أوصل أليها مصرف لبنان والقطاع المصرفي برمته .
أن الصلاحايات الممنوحة لمصرف لبنان بشخص الحاكم والمجلس المركزي الذي يرأسه واسعة وكبيرة بحيث يخلوا قانون النقد والتسليف من كلمة لا يحق لحاكم مصرف لبنان ، هذه الصلاحيات الواسعة والتي تشمل حرية الحركة والتدخل والبيع والشراء والتخلي عن العقارات .
يتولى مصرف لبنان مهمة عامة تعود في الأصل للدولة وهي إصدار النقد الوطني . )م. 10 و47 ن وت( يقوم مجلس الوزراء بتعيين الحاكم ونوابه بناء على اقتراح وزير المالية. (م. 18 ن وت( رأسماله مدفوع من قبل الدولة . (م. 15 ن وت ( توزع ارباحه الصافية بنسبة 20 % لأحتياطه العام و80 % لخزينة الدولة . (م. 113) يوافق وزير المالية على النظام الخاص بالحاكم ونوابه والنظام العام لموظفيه. (م. 33) له صلاحية اصدار الأنظمة . (م. 174 ن وت( له صلاحية انزال العقوبات الأدارية بالمؤسسات الخاضعة لرقابته . (م. 208 ن وت( هو معفى من جميع الرسوم والضرائب ( م. 118 ن وت) مثل سائر اشخاص القطاع العام. لا يخضع لقواعد الأفلاس المحددة في قانون التجارة والمطبقة على المصارف الخاصة .
الأستقلال الأداري : يملك مصرف لبنان شخصية معنوية خاصة واستقلال إداري عن الدولة وهو لا يخضع لقواعد الأدارة وتسيير الأعمال وللرقابات التي تخضع لها مؤسسات القطاع العام (م. 13 ن وت). كما يتمتع مصرف لبنان بالأستقلال المالي (م. 13 ن وت) . غير أن هناك ضوابط لأستقلاليته: رقابة مفوضية الحكومة لدى المصرف المركزي (م. 41-45 ن وت(. يقدم حاكم المصرف الى وزير المالية كل سنة الميزانية وحساب الأرباح والخسائر وتقريراً عن عمليات المصرف خلال السنة (م. 117 ن وت( .
يعين الحاكم ونوابه الأربعة بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء. (م. 18 ن و ت( يعين الحاكم لمدة 6 سنوات ونوابه لمدة 5 سنوات. ) م. 18 ن و ت( هم ملزمون بالتفرغ لعملهم طيلة فترة واليتهم. )م. 20 ن و ت(
للحاكم اوسع الصلاحيات لأدارة مصرف لبنان العامة وتسيير اعماله ، وهو مكلف بتطبيق قانون النقد والتسليف وقرارات المجلس المركزي.  الحاكم هو الممثل الشرعي للمصرف يوقع باسمه جميع الصكوك والعقود والأتفاقيات. (م. 26 ن و ت(  ليس لنواب الحاكم صلاحيات محددة ، غير انه يمكن للحاكم ان يعين لهم .ً مهاما  في حال شغور منصب الحاكم ، يتولى نائب الحاكم الأول مهام الحاكم ريثما يعين حاكم جديد. ويتولى هذه المهام نائب الحاكم الثاني عند غياب نائب الحاكم الأول. (م. 25 وم. 27 ن و ت( .
أنطلاقا” من هذه الصلاحيات الواسعة حقق حاكم مصرف لبنان كل ما يمكنه ، أو كل ما يمكن أن يطلب منه ، ووصول لبنان الى الحضيض بالرغم من وجود بعض الرقابة من قبل مفوض الحكومة لدى مصرف لبنان لكن عندما يتناغم من عين الحاكم ومن عين مفوض الحكومة ، وعندما تتواءم لجنة التحقيق الخاصة مع لجنة الرقابة والحاكمية بحيث تنعدم الأستقلالية لكل هذه المؤسسات وتنعدم الرقابة وضبط أعمال مصرف لبنان وبالتالي أعمال المصارف التجارية أيضا” ، فيبقى الحل الوحيد لوقف تسلط الحاكم بأمره على أموال ملايين المودعين وأموال الخزينة اللبنانية هي بسحب بعض صلاحياته من الجهة التي اعطته تلك الصلاحيات . واذا لم يتحرك مجلس النواب بشكل عاجل بسحب الصلاحيات للحفاظ على مصالح الشعب اللبناني. فإنه سيدفع المودعين وسيدفع الشعب اللبناني الى مزيد من الخسائر ، من هنا يجب أعادة بناء مصرف لبنان على أسس قانونية ، مالية ، وأدارية تعكس الشفافية في أعماله من جهة ، وتبقيه تحت سلطات رقابية مستقلة تماما” عنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى