
الصراع العربي الصهيوني: قراءة في أسباب التطبيع وسبل المواجهة!!!
لماذا علينا مواجهة التطبيع؟
كتب : د وليد ايوبي
ملخّص المحاضرة التي ألقاها الأستاذ الدكتور الأمير وليد جميل الأيوبي (أستاذ الفكر السياسي والتحديث الإداري، والمتخصص في قضايا الشرق الأوسط في الجامعة اللبنانية) عن “التطبيع مع الكيان الصهيوني وسبل مكافحته”، بمشاركة الدكتور عبد الملك سكرية، وبرعاية كل من منتدى الحوار الديمقراطي، ومركز العزم الثقافي، واللجان الأهلية في طرابلس. الميناء-طرابلس. ١٣ ك١ 2017 والتي تم نشرها في “جريدة بناء الإنسان”، العدد الخامس عشر، السنة الثانية، كانون الأول 2017 ص 8
المقدمة
يُنسب الى زعيم الحركة الصهيونية تيودور هرتزل قوله أنه سيسلّط على العرب سفلة قومهم، حتى يأتي اليوم الذي تستقبل فيه الشعوب العربية جيش الدفاع الإسرائيلي بالورود والرياحين. وينسب أيضا الى الحاخام اليهودي إيلي سادان إفتاءه بقتل المسلمين في فلسطين كبارا وصغارا، فحرب اليهود على المسلمين هي من منظوره حرب من أجل “الرب” أوصت بها شريعة موسى. كما نقل عن الحاخام اليهودي إسحاق شابيرا إفتاءه في مؤلفه “توراة الملك” بقتل كل شخص غير يهودي بمن فيهم الأطفال الرضع من الفلسطينيين العرب، للحؤول دون أن يشتد عودهم، فيصبحون قادرين على قتل اليهود في فلسطين…
وتفرض الحكومة الإسرائيلية جرّاء اتفاقيات “أوسلو” الرقابة الصارمة على المدرسة الفلسطينية، وتمنع السلطة الفلسطينية من تضمين كتابها المدرسي أي صور لعلم لفلسطين وخريطتها أو أي إشارة للأراضي المحتلة، تحت طائلة حرمانها من المساعدات الذي تمنحهم إياها الجهات المانحة من أجل إعادة إعمار ما تدمرته الآلة الصهيونية. وتشهد الأراضي المحتلة في الضفة الغربية تناميا للمستوطنات الصهيونية على حساب عشرات الآلاف من شجر الزيتون المقتلع من هذه الأراضي.
ولا تتوانى السلطات الصهيونية عن زرع الألغام في الاتفاقيات التي تبرمها مع السلطة الفلسطينية: فهي تزرع المستوطنات حول المدن الفلسطينية الكبرى في وضعيات جغرافية أشبه بالمواقع العسكرية منها بالأمكنة السكنية، وتقوم بتقطيع المدن والقرى الفلسطينية أشلاء، للحيلولة دون تواصل السكان الفلسطينيين في ما بينهم.
وبإمكان إسرائيل الحصول على حاجتها من العمالة الفلسطينية بلا شروط، ولها الحق بمراجعة أي اتفاق تنموي يبرم بين السلطة الفلسطينية وأي جهة أخرى. كما يحظّر على السلطة الفلسطينية إقامة مشروعات ذات صفة كيميائية إلا في أضيق الحدود، وتحت إشراف كامل للحكومة الإسرائيلية. وللسلطات الصهيونية الحق بنقض أي اتفاق تعقده سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني إذا ما كان يشكل من منظورها ووفقا لتقديرها ضررا على الاقتصاد الإسرائيلي. ولموظفي الجمارك الإسرائيليين الحق بالتواجد في ممر الجمارك الفلسطيني بشكل غير منظور، وتفتيش كل ما يحلو لهم تفتيشه. أما اتفاق وادي عربة مع الأردن، فقد جعل مناطق أردنية كالباقورة والغمر تحت السيادة الإسرائيلية في انتهاك فاضح وواضح للسيادة الأردنية!
وتشهد القضية الفلسطينية منذ نشأة إسرائيل تراجعا سلبيا. ففي حين كان معظم دول “العالم الثالث” خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي تقاطع إسرائيل، وفي حين كانت القضية الفلسطينية شأنا إنسانيا عالميا، وشأنا قوميا عربيا، أصبحت مع اتفاق أوسلو عام 1993 واتفاق غزة-أريحا عام 1994 (اتفاق القاهرة)، واتفاق طابا (أوسلو II) في العام نفسه شأنا فلسطينيا مختلَفا عليه بين الضفة الغربية وقطاع غزّة، وبين حماس وفتح، فاختُزلت القضية بمربعات ثلاثة (أ) و (ب) و (ج) نصّت عليها التفاهمات الفلسطينية الإسرائيلية، لا تتجاوز مساحتها 20 في المائة من مساحة فلسطين التاريخية، ومن دون سلطة وسيادة فلسطينية فعلية على أي منها.
أسباب التطبيع
إن الدولة العبرية كيان وظيفي أنشيء في فلسطين خدمة للمصالح الغربية. وتتضمن الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية مجالات حيوية ثلاثة: الدول العربية المجاورة لإسرائيل، والدول التي تشكل خطرا عليها وليس مجاورة لها مثل العراق وليبيا، ودول القارة الأفريقية لا سيما تلك المؤثرة على دول المحيط العربي كأثيوبيا وأريتريا، ودول جنوب وشرق آسيا، ودول وسط آسيا المؤثرة في هذا المجال. ولقد تم تلخيص مهام هذا الكيان في ما يتعلق بالوطن العربي من قبل بن غوريون على الوجه الآتي:
1-شد الأطراف العربية: ويتم تحقيق هذا الهدف من خلال العمل على إدماج الدول العربية في فضاءات سياسية تشوّش عليها تواصلها مع بيئتها القومية.
2-شطر الإقليم العربي: ويتم تحقيق هذا الهدف من خلال الحيلولة دون التواصل الانسيابي بين الدول العربية، في مصر وسوريا، وبين المشرق العربي والمغرب العربي.
3-بلقنة الوطن العربي: ويتم تحقيق هذا الهدف من خلال نشر الفتن الطائفية في المجتمعات العربية، فيصيبها الوهن، وتصبح بلا أفق قومي، همها معالجة مشاكلها الداخلية.
وفي نظر “بن غوريون” فإن الطريق الى السلام في المنطقة ينبغي أن يتحقق من خلال تقوية علاقات إسرائيل بشعوب أفريقيا وآسيا. والحسابات الإسرائيلية الشرق-آسيوية والوسط-آسيوية والإفريقية لا تقضي بإنهاك دول الطوق وحسب، بل وبمحاصرتها، وذلك من خلال إقامة علاقة متينة بالدول المحيطة بها.
وتشهد عملية مقاطعة إسرائيل تدحرجا سلبيا لصالح الكيان الصهيوني. ففي عام 1948 خرقت إسرائيل الهدنة مع العرب، وشنت عمليات حربية ضد القوات المصرية في النقب وسيناء. وفي سنة 1949 انتهكت إسرائيل الهدنة واحتلت مدينة أم الرشراش العربية، وأسست لنفسها وجودا في خليج العقبة، وأطلقت على ميناء أم الرشراش على البحر الأحمر إسم ميناء إيلات، فإيلات في نظر بن غوريون هو بالنسبة لإسرائيل مسألة حياة أو موت.
وفي حرب 67 احتل الجيش الإسرائيلي صحراء سيناء، ومنطقة شرم الشيخ المطلة على مضائق تيران في البحر الأحمر. ولقد تم إغلاق مضائق البحر لا سيما مضيق باب المندب خلال حرب 73 العربية الإسرائيلية بالتنسيق بين القاهرة واليمن بشماله وجنوبه، أمام الملاحة البحرية الإسرائيلية لكن ما لبث هذا القرار أن ألغي بعد التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار بين القاهرة وتل أبيب، حينما سمحت القاهرة في 1 نوفمبر 1973 بدخول أول ناقلة نفط متجهة الى إسرائيل من إيران عبر هذا المضيق مقابل إيصال الإمدادات إلى الجيش المصري الثالث المحاصر في شرقي القناة.
لقد أسهمت معاهدة الصلح (كامب دافيد) في تمكين تل أبيب من السيطرة على العديد من الدول الأفريقية، فأقامت تل أبيب علاقات إقتصادية وأمنية وعسكرية وإعلامية وثقافية وتنموية وتكنولوجية (…) متينة مع العديد من دول القارة الإفريقية، وفي طليعتها أثيوبيا، نظرا لامتلاكها منفذا على البحر الأحمر. ويشكل جهاز الموساد ذراعا فعالة جدا في هذا المجال، فهو يلبس تارة لبوسا اقتصاديا باسم شركات تجارية واستثمارية، وتارة أخرى لبوسا اجتماعيا هدفه المعلن تقديم المساعدات الخيرية على أصحاب الحاجة. ولقد أكّد تقرير الحكومة الإسرائيلية لعام 1999 أنه أصبح لإسرائيل علاقات دبلوماسية شملت تعاونا في جميع المجالات مع 42 دولة إفريقية.
وتلعب تل أبيب في علاقتها بأثيوبيا على الوتر التاريخي، فالعلاقات بين الطرفين تعود الى عصر ملكة سبأ التي تزوجت من الملك سليمان وولدت له مينيليك، وهو أحد أجداد الامبراطور الأثيوبي هيلاسيلاسي، كما تلعب تل أبيب على الوتر الديني، فأثيوبيا بلد مسيحي وسط محيط إسلامي تكفيري ومتخلف: فالعدو مشترك بين الطرفين. إن أسرلة أفريقيا لا سيما الدول الأفريقية المطلّة على البحر الأحمر هدف تسعى تل أبيب الى تحقيقه في مواجهة حالة التعريب التي كانت راسخة تاريخيا في هذه القارة، والتي تشهد اليوم تراجعا متناميا…
وتسعى إسرائيل للهيمنة على منابع النيل الاستوائية (أريتريا وكينيا وأوغندا وتنزانيا ورواندا وبروندي والكونغو الديموقراطية-زائير سابقا) التي تشكل جوارا إقليميا لكل من مصر والسودان وشبه الجزيرة العربية، وذلك للضغط على كل من السودان ومصر: فليبرمان سبق له أن هدد بقصف السودان، وتدمير السد العالي في مصر. كما شملت علاقات إسرائيل في أفريقيا دولا عربية كموريتانيا…
أما في آسيا الوسطى فقد أكّدت تل أبيب على رغبتها بإقامة علاقات عميقة بحكومات هذا الإقليم، فتل أبيب تشدو على إيقاع الحضور اليهودي التاريخي في بخارى، وعلى إيقاع الجالية الروسية في إسرائيل التي ينحدر معظم أفرادها من دول آسيا الوسطى. ولقد شكل انهيار الاتحاد السوفياتي عام 89 فرصة تاريخية وفراغا سياسيا كبيرا سعت تل أبيب لملئه.
ويشهد حجم الصادرات الإسرائيلية الى دول آسيا الوسطى تناميا لافتا: فمن واحداً وخمسين مليون دولارا عام 1988 أي قبيل استقلال هذه الدول بعامين وصلت هذه الصادرات نهاية عام 2000 الى نحو ثمانمائة مليون دولار، وشملت مجالات السياحة والثقافة والطباعة والنشر…كما تشهد الاستثمارات الإسرائيلية تناميا في مجالات الزراعة وصناعة القطن الغزل والنسيج والملبوسات.
وتتمتع “إسرائيل” بموقع ممتاز في مدينة “بافلودار” الواقعة شمالي “كازاخستان” على بعد مائة كيلومتر من الحدود الروسية. ولقد اشترت إسرائيل عام 1999 واحداً من أكبر معامل “اليورانيوم” في كازاخستان -وهو مكون أساسي في تطوير القنبلة النووية- وذلك بسعر أقل من ثلاثمائة ألف دولار أمريكي. ولقد نجح جهاز “الموساد” في نقل عدد كبير من علماء الإتحاد السوفياتي السابق للعمل في الصناعات العسكرية الإسرائيلية.
ولقد أسهم انتشار الظاهرة الأصولية في تمكين تل-أبيب من تطوير استثماراتها في المجال الأمني في كازاخستان، حيث يتم تزويد هذا البلد في هذا المجال بالخبرات والخبراء.
وتشهد علاقات تل أبيب بجنوب آسيا تناميا ملحوظا، فالزيارات المتبادلة بين نيودلهي وتل أبيب قائمة على قدم وساق، في حين أن الهند بزعامة نهرو كانت أيام حركة عدم الإنحياز سندا معنويا وسياسيا قويا للقضية الفلسطينية، ولقضايا حقوق الإنسان، وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، كما كانت تنتهج الخط نفسه مع المهاتما غاندي أيام الاستعمار البريطاني. ولا تكتفي تل أبيب بجنوب آسيا، بل إن ذراعها تطال الشرق الأقصى لا سيما أوستراليا حيث تقيم علاقات وثيقة مع هذا البلد الذي ما كانت لتصل إليه وتوطد علاقتها به بهذا الشكل لولا بقي البحر الأحمر مقفلا أمام أسطولها.
ويعد “الربيع العربي” الذي مهّد له الغزو الأميركي للعراق عام 2003، والذي أدى الى تدمير كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن، والى استنزاف طاقات دول الإقليم البشرية والمادية، واستغلال واقتسام مواردها الطبيعية، وإخضاعها لمشيئتها السياسية، وتشويه هويتها الثقافية من خلال طفل الغرب الوحشي المسمّى الدولة الإسلامية (داعش) وأشباهه، أبرز التجليات التطبيقية للاستراتيجية الأمرو-أنجلو-إسرائيلية.
إن هدف إسرائيل يتمثل بإضعاف كل العرب ودول الإقليم على حد سواء، ويخطيء من يعتقد أن تل أبيب أو واشنطن تفاضل بلدا على آخر. ومن لا يذكر توقعات العقيد القذافي في هذا الشأن عندما كان يخاطب الرؤوساء العرب في قمة دمشق عام 2012؟! إن حروب الربيع العربي المسعورة فخ للجميع، فالسعودية بثروتها النفطية، وأيديولوجيتها الدينية، وثقلها الديمغرافي، وحيّزها الجيوسياسي، تشكل خطرا على إسرائيل، وعلى المصالح الغربية، لا سيما أن الغرب قد اختبر الضغط النفطي الذي مورس عليهم من قبل الرياض خلال حرب 73. أما بالنسبة الى الزعيم معمّر القذافي، فهو من أخرج الأمريكان والبريطانيين من ليبيا، واستطاع في 14 أيلول 1970 أن يفرض زيادة على سعر النفط العالمي، وهو من دعا الى تحدي النظام المالي العالمي، والى التعامل بالدينار الذهبي الإفريقي بدلا عن الدولار. أما الرئيس العراقي صدّام حسين، فمعروف عنه نزعته الأستقلالية الحادة إزاء الغرب والشرق على حد سواء، وهو من كان هدد بالتخلي عن الدولار في معاملات العراق النفطية. أما الرئيس السوري بشار الأسد، فقد نسج تحالفات استراتيجية عميقة مع روسيا وإيران والصين الذين يشكلون تهديدا عالميا للمصالح الغربية، ومكّن إيران في لبنان من خلال تنظيم حزب الله الذي أصبح يشكل خطرا جديا على أمن الكيان الصهيوني. أما أردوغان فقد ناله نصيبا وافرا من العطف الأميركي، انقلابا فاشلا عليه، عندما تناقضت مصالح واشنطن وأنقرة حول الملف الكردي…
لقد حرّر الربيع العربي الكيان الصهيوني من عقدة دول الطوق ودول المواجهة، وتحول من “كيان محاصَر الى كيان محاصِر.”
وتشبه ظاهرة التطبيع مع الكيان الصهيوني كرة الثلج التي تتضخم كلّما تدحرجت نزولا. فإنجازات إسرائيل العسكرية منذ نشأتها الأولى عام 1948 وأبرزها حرب 67، والسياسية المتمثلة باتفاقيات كامب-دافيد، وأوسلو، وغزة-أريحا، وطابا، ووادي عربة، قد أسهمت في تقويّض الحصار الذي كان مفروضا عليها من قبل الدول العربية، وأطلقت العنان للدول الصديقة للعرب للتطبيع مع تل-أبيب. ولماذا يشعر هؤلاء بالحرج عندما يكون الفلسطينيين والعرب أنفسهم، وفي طليعتهم مصر، قد طبّعوا علاقاتهم مع الكيان الصهيوني؟!
ولم لا تتبادل نيودلهي وتل أبيب الزيارات اليوم في حين أنها كانت في إطار حركة دول عدم الإنحياز أيام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر رأس حربة في الدفاع عن القضية الفلسطينية؟! كما أسهم انهيار الاتحاد السوفياتي في رفد حركة التطبيع بطاقة مضاعفة، ناهيك عن الصراعات العربية الإيرانية لا سيما السعودية الإيرانية التي قد تدفع كل دول الخليج الى التطبيع مع الكيان الصهيوني بدافع ردة الفعل على التوغل الإيراني في البلاد العربية، فتكون إيران قد أدّت خدمة جليلة مجانا لصالح المشروع الأنجلو-أميركي التطبيعي في المنطقة، فالصمت الغربي عن السلوك الإيراني ليس تواطئا بقدر ما هو انتهازية سياسية إذ لا مصلحة اليوم لواشنطن في كبح جماح طهران في المنطقة سوى بعد أن يتم التطبيع الكامل مع تل أبيب من قبل دول الخليج العربية…
واستطرادا، فإن فكرة الدولة الكردية ما كانت لتطرح على بساط البحث لولا تضافر كل العوامل التي أشير إليها أعلاه…
إنها سياسة الخطوة خطوة، والفعل وردة الفعل، والفعل والنتيجة، والنتيجة والفعل، سلسلة متعاقبة من الإنشطارات النووية الكيانية التي تصب كلها في خدمة الكيان الصهيوني والمصالح الغربية الأنجلو-أميركية انسجاما مع رؤية مهندس الشرق الأوسط الكبير وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، وزمليه مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبغنيو بريزنسكي…
الخلاصة
تؤكد المعطيات في ما يتعلّق بالسياسات الدولية على جملة من الحقائق أبرزها الآتية:
1- عدم فعالية المؤسسات الدولية لا سيما المولجة بمعالجة المسائل السياسية والاستراتيجية على المستوى الدولي، وأعني بذلك مجلس الأمن الدولي، فالقرارات الدولية ليست لا بوليارشية ولا ديمقراطية.
2- طغيان الثنائية الجدلية بين الشرق والغرب على القرارات الدولية، واليوم بين الأطلسي والبريكس، ويخطئ من يعتقد أن مصالح الأطلسي تصب في صالح السعودية أو أن مصالح البريكس تصب في صالح سوريا، إلا في تقاطعاتها الموضوعية.
3- سيادة منطق التغلّب على العلاقات الدولية لا منطق الحق والواجب: فكل دولة لا تتوانى عندما تستطيع، وتستدعي الحاجة، عن ممارسة الهيمنة على سواها من الدول.
4- انتهاك فاضح لمفهوم السيادة (المدرسة المثالية): فسيادة الدول الضعيفة عرضة في أي وقت، وعندما تدعو الحاجة، للإنتهاك من قبل الدول القوية، وذلك تحت مسميات شتى أبرزها التدخل لأغراض إنسانية.
5- شروخ اجتماعية هائلة على المستوى الدولي، وتضخم في ظاهرة تركيز الثروة والسلطة في المركز الرأسمالي قياسا بالمحيط (نظرية التبعية) الذي يعاني من أزمات حادة في شتى المجالات.
6- هيمنة القوى الإقتصادية على السياسات الدولية (النظرية الماركسية) لا القوى السياسية-العسكرية، ولا التحالفات وتوازنات الردع الدولية (النظرية الواقعية)، أما القانون الدولي فهو في موقع المتغير التابع لسياسات القوى الفاعلة.
7- غياب الصراع الأيديولوجي عن المسرح الدولي- باستثناء الطروحات الأصولية- وطغيان صراع المصالح على العلاقات الدولية، فالدول كلها مدفوعة لتحقيق مصالحها وتعظيمها بعيدا عن أي مبدأ أخلاقي أو تصور مثالي.
8- طغيان الوسائلية على العلاقات الدولية، والتي قد ترقى الى تزييف الحقائق من أجل تحقيق المصالح الوطنية كما حصل عند غزو العراق عام 2003 أو رفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والغيرة على الأقليات والسعي لمنحها ما تريده من امتيازات…
إن الشرق-أوسطية سواء كانت “كبيرة” (الشرق الأوسط الكبير) أو “جديدة” (الشرق الأوسط الجديد) أو “متوسطية” (الشراكة الأورو-متوسطية) تسهم في تجزأة الجسم القومي من خلال تقطيع الأوصال الجغرافية بين الدول العربية. لذا علينا إحياء الطرح القومي العربي من خلال التشديد على جملة من المفاهيم وأبرزها: مناهضة الإستعمار، والصهيونية، والعولمة-الرأسمالية المتفلتة من عقالها، والرجعية بما تمثله من تقويض لحركة التقدم، وتحرير فلسطين، وحق الشعب الفلسطيني اللاجىء بالعودة الى بلاده والتعويض عليه، والفصل بين المقاومة والإرهاب وفقا لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، والعلمنة بما تمثله من فصل بين الدولة والدين لا قتلا له، والوحدة العربية التي تقوم على أسس ثقافية-رسالية وتكاملية-وظيفية، والأمن القومي بكل أبعاده الثقافية والاقتصادية والتكنولوجية والسياسية، ونبذ “الطائفية” بكل تمظهراتها الإقليمية والعرقية والمذهبية، وإعادة بناء الدولة الوطنية بما يصون الحريات السياسية والتعدديات الثقافية، ويرسخ حكم القانون والدولة المدنية…وعلاقات حسن الجوار مع دول الإقليم وكل دول العالم على أسس حقوقية لا لبس فيها…
والاستراتيجية الإسرائيلية ثقافية بقدر ما هي سياسية وعسكرية واقتصادية. والكيان الصهيوني الى جانب كونه وظيفيا بالمعنى الاستراتيجي للكلمة، والى جانب كونه تعبيرا عن المصالح الغربية لا سيما الأنجلو-أميركية، فهو كيان وظيفي ثقافي يشكل امتدادا ليس للمصالح الغربية وحسب، بل وللثقافة السياسية الغربية التوسعية. وعليه، فإن بريسترويكا ثقافية تعيد صياغة الثقافة السياسية على أسس سليمة هي الشرط اللازم والواجب لإعادة بناء المنظومة القومية العربية…
ولا سلام عربي-إسرائيلي إلا سياسيا أي على أساس استعادة الحقوق المسلوبة كشرط لازم وواجب لتحقيق السلام الشامل والعادل…
المراجع
الأمير وليد الأيوبي. الربيع العربي وسياسة الفوضى الخلاّقة: الديموقراطية أم الطاقة؟ الشرق الأوسط والثورة العربية ومستقبل الصراع العربي الصهيوني/قراءة في الفوضى الخلاّقة وأفكار للنهوض. مطبعة الهلال، عكّار، لبنان 2013
الأمير وليد الأيوبي. السياسة الخارجية الاميركية: قراءة نقدية في المنطلقات القيمية. مجلة الدفاع الوطني. العدد رقم 47، ك2 2004، ص 107-180
الأمير وليد الأيوبي. العولمة والعرب وبداية التاريخ: رؤية سياسية لتنمية قومية استراتيجية-قراءة نقدية في السياسات الدولية-دراسة في التعاون العربي-العربي. طرابلس، المؤسسة الحديثة للكتاب، 2009
إحسان مرتضى. “الأمن العربي وإشكاليات التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا.” مجلّة الدفاع الوطني اللبناني. تشرين الأول 2001، العدد رقم 38، ص 75-98
عبد الهادي يموت. “من الشرق أوسطية الى الشرق الأوسط الكبير.” مجلّة الدفاع الوطني. العدد رقم 49، تموز 2004، ص 109-170
الجزيرة-نيت.







