اقلام حرةمقالات

سلاح حزب الله يهدد السلامة الوطنية؟!

بقلم: ناجي علي أمّهز

البداية:
بالأمس، كتبتُ مقالًا انتقدتُ فيه تصريح رجل دين سوري ادَّعى أن الشيعة مجوس، وأن وظيفتهم الإساءة إلى الإسلام، وكأنهم مجرد تابعين لليهود أو لعبّاد النار، هدفهم تشويه الإسلام. وكشيعي، أؤكد أنني مسلم، ولا أقبل هذه التُهم الظالمة.

لكن الغريب أنني بعد نشر المقال بساعات، شعرت بنوع من الخوف، وكأنه الخوف الذي رافقني منذ عام 1990 حتى 2005، إبان الاحتلال السوري للبنان. ومع أنني كنتُ على صدام مباشر مع السوريين، الذين طاردوني حتى عام 1995 بسبب انتمائي إلى الحركة العونية، فإنني كنت أشعر بحماية خفية، مصدرها صوت البطريرك صفير، إضافة إلى حراك شعبي مسيحي لا يهدأ، ووجود مجموعات حقوقية وإعلامية ومنظمات إنسانية دولية، مما كان يوفر حماية للمسيحيين ومن ينتمون إلى حراكهم السياسي.

أما الشيعة، فإن علاقاتهم الدولية محدودة، ولا يوجد حراك مدني يدافع عنهم لأسباب تاريخية، كما تغيب عنهم اللوبيات العالمية ان كانت اعلامية واقتصادية، مما يجعلهم يعتمدون على حماية ذاتية قائمة على عامل القوة، وإلا فإنهم يصبحون مهددين بوضوح.

اليوم، الشيعة الذين يعارضون الحكم في سوريا يدركون أن جميع بياناتهم، وصورهم، ومعلوماتهم باتت بحوزة الحكومة السورية الجديدة، وربما وصلت إلى جهات معادية لهم، نظرًا إلى العدد الكبير من السوريين الذين يعيشون بينهم. وكما كان السوريون في عهد الأسد ينقلون المعلومات إلى أفرع المخابرات، فإن الأمر مستمر حتى اليوم.

اليوم، شعرت بما يشعر به الشيعي أو العلوي والاسماعيلي والمسيحي السوري، الذي لا يستطيع أن يردّ على من يتهمه بدينه، لأنه قد يتعرض للعنف، أو السجن، أو حتى القتل.

اليوم أصبحت الأقليات الدينية في خطر حقيقي، خاصة الشيعة، الذين يمرون بأسوأ أزمة وجودية منذ استشهاد الإمام الحسين قبل 1400 عام.

بالرغم من وضوح المشهد، وأنه في حال سقطت قوة الشيعة، فإن وضعهم سيكون كارثيًا على كافة الصعد، مع أنهم كانوا في طليعة المدافعين عن المسلمين السنة في البوسنة والهرسك، كما ذهبوا إلى سوريا وقدموا خيرة شبابهم كي لا تصبح الأقليات المسيحية والإسلامية في سوريا في الوضع الذي هي عليه اليوم. حتى عندما قدم الشيعة كل ما يملكون في سبيل الفلسطينيين في غزة، كانت النتيجة مؤلمة.

فقد قُتل قادة الشيعة دفاعًا عن السنة في فلسطين.
ودُمِّرت القرى والمدن الشيعية دفاعًا عن السنة في فلسطين.

وقدم الشيعة الالاف بين شهيد وجريح خلال عام دفاعًا عن السنة في فلسطين.

ومع ذلك، عندما خفت نيران العدوان الإسرائيلي قليلًا في فلسطين وعلى الشيعة في لبنان، هاجم بعض المتشددين السوريين القرى الشيعية في الأراضي اللبنانية.

وعندما تسأل بعض السوريين: “لماذا تكرهون الشيعة؟” يقولون لك: “لأنهم قاتلوا إلى جانب الأقليات ومع النظام السوري السابق”، لكن هؤلاء لا يكرهون إسرائيل، التي تدخلت لحماية بعض الأقليات في سوريا، وأصبحت تسيطر على جزء كبير من البلاد بعد أن دمرت القوة العسكرية السورية بالكامل.

بل لم نسمع أن الشعوب العربية انتفضت أو تحركت، اقله لجمع التبرعات لإعادة إعمار القرى والمدن الشيعية التي دُمِّرت دفاعًا عن المدن والقرى السنية في فلسطين.

وحتى في العالم العربي والداخل اللبناني، هناك من يشمت بالشيعة، مع أن أعظم نموذج إنساني اسلامي حضاري قدمه الإنسان الشيعي كان في دفاعه عن أخيه الإنسان، سواء كان طفلًا أو امرأة فلسطينية.

وبينما لا تتوقف الهجمات والتهديدات السورية خاصة للشيعة في البقاع، ولا تزال إسرائيل تشن غاراتها وتستهدف الجنوب وحتى العمق اللبناني، وأحيانًا تتشارك مع القوات الحكومية السورية في الهجوم على بعض القرى البقاعية، نجد أن الشيعي، إذا جاءه عامل سوري فانه يوظفه وان كان على حساب العامل الشيعي اللبناني، وكذلك إذا جاء مستأجر سوري ، فإن المالك الشيعي يؤجره دون تفرقة، فالشيعي طيب في معشره وان كان يؤدي الى هلاكه.

والطامة الكبرى ليست هنا، بل حتى الدجاجة، عندما يريد المزارع ذبحها ليطهوها، فإنه يقدم لها الأمان، ويغريها بالطعام، ويناديها بودٍّ، لينال منها. أما اعداء الشيعة، فانهم يريدون ذبحهم وهم يشتمونهم، ويحاصرونهم، ويجوعونهم.

فإسرائيل تقتل الشيعة، وتطالبهم بتسليم مصدر قوتهم تحت القصف والنار والدمار. بينما أقله يجب على إسرائيل أن توقف القتل والدمار لتبرر سحب سلاح الشيعة.

وأمريكا تطالبهم بتسليم سلاحهم تحت الوعيد والتهديد والحصار، بينما كان الأجدر بها، إن أرادت مناقشة مسألة السلاح، أن تقدم الضمانات، وترفع الحصار، وتعلن عن حمايتها للشيعة.

وحتى في الداخل اللبناني، بدل أن يتكاتف الجميع دفاعًا عن الشيعة من منطلق وطني تمهيدًا للنقاش حول السلاح، نجد من يصرخ في وجههم: “عليكم تسليم السلاح، وإلا ستندمون!”

لا أعرف كيف يمكن للشيعة أن يسلموا سلاحهم وهم محكومون بالموت، سواء كانوا يحملونه أو لا. وما حصل مع الأقليات في الساحل السوري هو دليل واضح على المصير الذي ينتظر الشيعة في هذا الشرق غير المستقر.

فإذا خُيِّر الشيعة بين الموت دون سلاح، أو الموت وهم يحملون سلاحهم، فحتماً سيختارون الموت وهم يحملون سلاحهم.
البعض يقول إن السلاح الشيعي هو السبب وراء الهجمات الإسرائيلية على لبنان، بينما الجميع يعرف ان هذه الصواريخ التي اطلقت مؤخرا، على المنصات “الخشبية” هي ليست صنيعة حزب الله بل اتخذتها اسرائيل ذريعة لشن هجماتها.
.
ثم يأتي آخر يتحدّث عن خطر حزب الله على الاستقرار والسلام في لبنان، متناسياً أن ما تقوم به إسرائيل اليوم كان يحدث يومياً منذ عام 1979 حتى عام 2000، حيث كانت الطائرات الإسرائيلية تشنّ غارات مدمّرة على الأراضي اللبنانية دون حسيب أو رقيب.

ويخرج علينا من يقول: “سلاح حزب الله هو الذي يجرّ الحرب على لبنان”، لكنه يغفل عن حقيقة أن وجود سلاح حزب الله كان نتيجة الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، والاحتلال الذي دام حتى عام 2000، وما كان لهذا الاحتلال أن يزول لولا تضحيات المقاومة وسلاحها.

وهناك من يكرّر: “القرارات الدولية هي الحلّ لحماية لبنان”، لكن إسرائيل نفسها تدوس على هذه القرارات وعلى شرعة حقوق الإنسان، ولم تحترم يوماً أي قرار دولي، بل لم تكلف نفسها حتى عناء إنذار ألف طفل وعجوز قبل أن تقتلهم بغارة جوية، تحت شعار: “قتلنا ألف فلسطيني لنقتل مقاومًا”.

أما من يروّج لفكرة أن الحراك الدبلوماسي وحده قادر على تحرير ما تبقّى من لبنان، فليتأمّل كيف انتهى الحراك الدبلوماسي الذي قادته منظمة التحرير الفلسطينية مع الإسرائيليين برعاية أمريكية، حيث لم يتبقَّ من فلسطين أكثر من مساحة قرية صغيرة، بعدما التهمت إسرائيل كل شيء.

ثم يأتي من يصرخ: “يا شيعة لبنان، حزب الله جلب لكم الخراب والدمار!”، وكأن الشيعة، في ظلّ الأمويين والعباسيين والعثمانيين، كانوا يعيشون في بحبوحة ورفاهية! بل كانوا محرومين حتى من المشي على الطرقات دون أن يُميَّزوا بلباس خاص، يُظهرهم وكأنهم عبيد يحقّ لأي مواطن من الفئات الحاكمة أن يتصرّف فيهم كما يشاء.

وهل كان الشيعة يمتلكون السلاح او يعملون في السياسة وكانت ايران موجودة اعوام 1292 و1300 و1305. ابان الحملات العسكرية المملوكية ضد المسلمين الشيعة والعلويين والموارنة والدروز؛ الذين تصرفوا تاريخياً بشكل مستقل عن أي سلطة مركزية.

الشيعة مجموعة إنسانية تعرّضت للاضطهاد عبر التاريخ لأنها تمسّكت باعتدالها في وقت كان فيه العالم العربي والإسلامي غارقًا في التشدّد، وللأسف ما زال الحال كذلك.

من أجل الإنسانية… من أجل لبنان… من أجل بقاء الشيعة إلى جانب الطوائف اللبنانية، دعونا نبحث ونتناقش كعائلة وطنية واحدة.

في الختام، الشيعي وان طالب بتحرير فلسطين فانه قاتل الإسرائيلي وحرر جنوب لبنان، وقاتل التكفيري المتشدّد بعد أن ارتكب المجازر والتفجيرات الإرهابية في الداخل اللبناني.
كما أن الشيعي لا يشكّل أي خطر، والدليل ما حصل خلال هذا العام، إذ لو كان كل شيعي قنبلة نووية بحد ذاته، فإنه في النهاية يبقى أقلية.

ولا يمكن تطبيق العقلية الأوروبية في العالم العربي.

الحقيقة أنه لا يوجد في الشرق من هو بحاجة الى ضمانات وتطمينات كما يحتاجها الشيعة اليوم، وإن كنتم لا تريدون الشيعة في المنطقة من أجل شرق أوسط جديد مقسّم وتدركون ان الشيعي يرفض التقسيم، فلتُفتح أبواب السفارات لهم، وليغادروا لبنان ويحلّ مكانهم الفلسطينيون والسوريون.

لكن نحن، الشيعة، قدّمنا كل ما نملك في سبيل تحرير لبنان والدفاع عن فلسطين. والثمن دفنّا أعيادنا، وماتت أفراحنا، وغادرنا أحب الناس إلى قلوبنا، ويا ليتهم بقوا، وما بكينا عليهم حتى الموت على فراقهم.

نحن الشيعة نتألّم كثيرًا لأننا آمنّا بإنسانيتنا، وفي سبيل هذه الإنسانية والقيم الأخلاقية، نكاد نفنى.
هل من ناصر ينصرنا.

 بقلم ناجي علي امهز 

المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى