
حين تتحدث امرأة كما يتحدث الرجال، يبدأ العالم بالارتباك.
حين تحدثتُ الأسبوع الفائت عن قصّتي على التندر مع رامي غضب رامي.
حين يغضب الرجال من صدق النساء، يجب أن تضحك النساء.
فهل غضب رامي لأنني كتبتُ اسمه، أم لسبب آخر؟
لم أكتب اسم رامي لأفضح هويته.
كتبتُه لأن القصة ألهمتني.
لأنني، ببساطة، رأيت فيها نفسي. ورأيتكنّ.
رأيت كل امرأةٍ قيل لها: كوني cool ولا تكوني متخلّفة، جاري الواقع فالدنيا تغيرت!
كل امرأةٍ قيل لها:
“خفّفي الدراما. خفّفي معاييركِ واقبلي بالموجود.”
كل امرأةٍ استكثروا عليها شجاعة البوح بشعورها.
رامي — كَكثير من الرجال — ظنّ أنه محصّن من الكلمة.
ظنّ أن النساء سيخجلن من الكتابة عن الإحساس، كما هو دون ماكياج. دون بوتوكس.
لم يتخيّل أن المرأة التي قال لها إنه يريدها لمتعة عابرة ستضع شعورها الأنثوي الخام والraw تحت المجهر،
لم يتخيّل أنني سأجرؤ على الحديث عن الحبّ – ولو على تيندير – مقرونًا بالوعي.
ظنّ أنني سأخفي “لا ارتياحي” خلف أحمر شفاهي وتهذيبي وسأبتلع ضآلة نيّاته وأصمت.
لم يتوقع أن أُعرّي رغبته الجسدية البحتة من الغموض المهذّب الذي لفّها بها،
وأُعيد تعريفها بصفاء فكريّ لا يناسب خيال الرجال،ّ
وأتحدّث كما يتحدّث الرّجال.
فحين كتبتُ اسمه الأول — لا أكثر — لم يتحمّل.
غضِب.
وهذا يضحكني حقا.
طيب لماذا غضِب؟ هل لأنني سمّيته؟
لا.
فال “رامي” كثيرون في العالم،
بل غضب لأنه رأى ما لم يرد أن يرى:
امرأة تتكلم بلا إذن.
امرأة لا تُجمّل الحقيقة.
امرأة تضع المرآة أمامه وتقول له: “أنظر، متّع عينيكَ الحلوتين. أترى؟ برافو.
مطلوبٌ أن ترى نفسك عاريًا من الأعذار،
عارياً أمام وقاحةٍ تغلّفها بالتهذيب وبمصطلحات جديدة فضفاضة اخترعها الحبّ الحديث المعاصر.”
قال لي غاضبا: “ريما.. لكنني كنتُ صادقًا معكِ..”
قلتُ: “وأنا أيضًا كنتُ صادقة،
فأما صدقك فهو عن نيةٍ شهوانية وبلا أفق،
وأما صدقي فهو عن شعورٍ وجداني طويل النَّفَس.
أنت أردتَ علاقة مؤقتة.
هل هي حقّك؟
قال: نعم.
قلتُ: لا.
تعجّب. ولكنني لم احبّ أن أكمِل المكالَمة.. وتحجّجتُ له بأن ال speaker في هاتفي معطّل وأنني سأعاود الاتّصال به لاحقا..
لم أكمل له لماذا لا يحق له أن يطلب علاقة مؤقتة ، لأن أمثال رامي كثيرون، ولأنهم يظنون أن الشهوة حقٌّ، وأننا نحن النساء من نُعقّد الأمور.
لذلك سأكمل لكم لماذا ليس من حقه – وهو بطبيعة الحال سيقرأ هنا معكم:
ليس من حقّ أي رجل أن يطلب علاقة مؤقتة ومتعة ضئيلة أمام امرأة رَحبة. الرحابة ليست كرَمًا جسديًا، بل اتّساعًا في الشعور، في الإدراك، في الحدس.
وليست كل النساء رَحبات لكن كل النساء يجب أن يَصِرنَ كذلك: رحبات الوعي، لا رحبات التنازل..
سأشرح:
هو أراد أن يمرّ من خلالي لتسليته،
وأنا أردتُ أن أمرّ من خلاله إلى عمقي.
هو أراد الجسد، وأنا أردتُ اللقاء.
هو أراد اللذة، وأنا أردتُ الأثر.
هو أراد علاقة جسدية،
وأنا أردت تواصلا روحيا وفكريا وطاقيا…
لذلك فحينما ينعدم التكافؤ الوجداني ينعدم حقه في الطلب الضّحل. الطلب القَزَم.
الرجل – أي رجل – حين يدعو امرأة إلى العشاء ويتحدث معها عن الحياة والسياسة والفن والأديان والله والوجود، ويستشعر تلقائيا هالتها النورانية وطبقاتها الشعورية وأفقها الحدسي،
ثم يطلب ب وقاحةِ غبيّة أن يختصرها في جسدٍ،
لا ليس من حقه أن يطلب! بل من الغباء أن يطلب! بل من الحَمْرَنَة أن يطلب!
يا رجل! أتطلب لحمًا وأنت تجلس أمام امرأةٍ خُلقت من ضوءٍ لا يُلمس بل يُؤمَن به؟
أتطلب جسدًا عابرًا وأنت في حضرة كَوْنٍ أنثويّ لو اقتربتَ منه لاحترقت؟
أتطلب لحظةً من النار من امرأةٍ كلُّها شمسٌ لا تُحتوى؟
أحزَن على غباء الرجال، وأضحك…
“وَلَوْ؟ شويّة نظر؟”
النساء لسنَ وجباتٍ سريعة.
لسنَ بوّاباتٍ للشهوة.
المرأة التي تتّسعُ للحبّ
لا ليس من حقكَ أن تطلب منها الشهوة حصرا حتة وإن لطّفتًها ب مصطلحاتٍ “تقززني” ك freinsdship with benefits و situationship..
سيقول لي بعض القراء الرجال: ماذا عن اللهثات وراء أموالنا؟ ال Golddiggers.. أقول: لكنكم تخشون معظم الأحيان من النساء أن يسلبنكم أموالا أنتم أصلا لا تمتلكونها.. هاها.. وأضحك.
وأيضا، توجد نساء لا يركضن وراء ثروة الرجال. وتوجد نساء يتلهفن للتواصل الإنساني ذي الدفق العاطفي. لذلك على رامي وأي رامي أن يعرف صنف النساء الذي معه قبل أن يتفوه بالحماقات.
والمضحك المضحك أنه غضب حين كتبتُ!
الرجال لا يغضبون من النساء لأنهنّ كتبن،
بل لأن الكتابة تفضحهم، تعرّيهم،
تكسر الوهم الذي بنوه عن أنفسهم،
وتكشف نياتهم واستهتارهم بمشاعرنا — نحن النساء اللواتي نرى في أجسادنا بيتا قدسياً لا ملعب فوتبول.
ثمة نساءٌ “مُنفتحات” لا يوافقنَني، أحترم قرارهن ولا أقدّره. أحترم خيارهن ولا أختاره. أحترم رؤيتهن ولا أرتضيها.
وهؤلاء النسوة المنفتحات لم يخترن الحامض حبًّا بالحامض،
بل لأن العنب لم يُقدَّم لهنّ.
لم يخترن العابرَ لأنه يُشبِع،
بل لأن الدائمَ صار ترفًا يشبه الأسطورة.
وأعي أنهنّ لو خُيّرن بين شمس تضيء و نار تحرق،
لاخترن الشمس، كلّ مرة. ألف مرة.
لهنّ أقول: احترِمنَ خيارَ المرأة التي تختار الامتناع عن اللذات الآنيات،
فليس كل امتناعٍ تحجّراً، ولا كل صومٍ جوعاً.
إنها الرحابة الوعييّة التي أتحدّث عنها هنا،
حيثُ تمتدّ الحرية إلى ما وراء الرغبة،
ويغدو الامتناع شكلاً أعمق من الكرامة وحبّ الذات.
حيث لا تُقاسُ الأنثى بما تجرّب،
بل بما تختار ألّا تجرّب لأنه يقززها.
حين يصبح النقاءُ شجاعة، وتصبح المعايير العالية حقّاً،
والعفّةُ حريةً لا تخلّفاً.
أما أنتم أيها الرجال، فلا تستكثروا علينا صدقَنا بالبوح ب هشاشتنا بل قدّروا لنا هذا وامتَدِحوه وتعلموا منه كيف تقرؤوننا بعين “الحب”. ولا تزعلوا كالأطفال لأننا لم نبقَ صامتات. اكبروا أيها الرجال. كفى بحثا عن أمهاتِكم فينا. نحن لسنا أمهاتكم. أنتم تضحكوننا.
لقد خطونا نحن النساء خطوات نوعية في فهم أنفسنا ورصد عُقدنا النفسية، أما آن لكم أن تحذوا حذوَنا كي ترتقوا إلى وعينا العاطفي؟
وافهموا، نحن النساء اللواتي نشعر ونكتب،
نمنحكم ونمنح العالم فرصة نادرة لفهم جبلَتِنا الشعورية،
لفهم أيّ نوعٍ من المخلوقات نحن.
إلى كل رامي في هذا الوجود،
ليس لك أن تغضب.
ولا لأحدٍ أن يصادر الطريقة التي أروي بها تجربتي.
هذه قصتي.
وهذا جسدي حين يتكلّم لغة الوعي.
وهذه النار المقدّسة تخصّني.
أيها الرجال،
تعلّموا أن النساء لا يكتبن ليُرضينكم،
بل ليحفظن أنفسهنّ من الذوبان والضياع في رغباتِكم اللّحظية.
افهموا أن المرأة لا تفضَح.
المرأة تشهَد.
وهذه شهَادتي.
أيتها الفاتنات اللواتي تقرأنَ الآن،
حين يُغضِبكنّ رجل، لا تخنقن الغضب.
الغضب ليس خطيئة.
إنه حدسكِ، بوصلة داخلية تقول لكِ:
“كفى، غادري الآن، هذا لا يُشبهكِ.”
صدقّي حدسكِ. امنحيه صوتًا. اكتبي عنه مقالا كهذا. أو صوّري صورة وضعي تحتها كابشن يشبهكِ.
أعتذر؟ أعتذر عمّ؟
sorry I’m not sorry.
لن أعتذر عن الكتابة.
لن أعتذر عن الصدق.
ولن أعتذر عن النار التي أضرمها البديعُ فيّ وقال لي اكتبي عنها.
لأن الغضب، حين يكون صادقًا،
يصبح بردًا وسلامًا ونورًا وشفاءً.
ومقالي هذا والمقال السابق ليسَا انتقامًا.
بل عدالة شعورية.
ودليلٌ لكل امرأة كتبت إليّ وقالت:
” شكرا علّمتِني كيف أختار نفسي بعد كل خيبة.”
قلتُ لهنّ ما أقول لنفسي:
“كفى غنجًا ووهمًا. قومي. اختاري نفسكِ، لا الرجل الذي يرى فيكِ لذة مؤقتة. أنتِ لستِ آيس كريم، أنتِ كونٌ أعظمُ فيكِ انطوى. كلّ ما عليكِ أن تَرَي!”
إنّ هذا المقال، والمقال الذي سبقه
درسٌ في الأمان الداخلي قبل الحبّ،
وفي أن الوعي أجمل من أي كيمياء.
درسٌ لكلينا، رجلًا وامرأة.
رجل يحبّ ان يَرى.
وامرأة تحب أن تُرى.
فنحن، في النهاية، من نفسٍ واحدة.
فلْنرى.
بالرؤية وحدها تصبح الحياة أرحب وأجمل وأقدس.
حينها سنضحك نحن النساء معكم، لا عليكم.
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.







