بعد مواقف البطريرك، والحكيم، وتحذيرات الرئيس عون: هل شمّرت “الكاثوليكية” عن سواعدها للدفاع عن لبنان؟

*بعد مواقف البطريرك، والحكيم، وتحذيرات الرئيس عون: هل شمّرت “الكاثوليكية” عن سواعدها للدفاع عن لبنان؟*
*بقلم: ناجي علي أمهز*
ليست الحكاية وليدة اللحظة، وإن بدا أن الأيام الأخيرة قد فتحت لها فصلاً جديداً ومفصلياً. بدأت القصة في ذلك اليوم من أيار 2025، حين جلس البابا “لاون الرابع عشر” على كرسي القديس بطرس والشرق من حوله يغلي، والمسيحيون وأبناء الأقليات يدفعون – كعادتهم – ثمن حروبٍ لا يعرف أصحابها حدوداً للدم ولا سقفاً للخراب.
منذ ذلك الحين، كان لبنان حاضراً في وجدان الحبر الأعظم. ولم يكن غريباً أن تكون رحلته الرسولية الأولى إلى المنطقة هي إلى “وطن الرسالة”؛ رحلةٌ حملت معها اشتياقاً روحياً لبلدٍ لا يزال، رغم كل ما أصابه، يحفظ في ترابه ذاكرة القديسين، وفي أرزه صدى صلوات السماء وبخور المساء.
جاء البابا إلى لبنان عام 2025، التقى المسؤولين ورؤساء الطوائف، واستمع إلى خطابات كثيرة، لكنه كان يبحث عن لبنان الآخر؛ لبنان الذي لا يُرى في القصور والمؤسسات، بل الذي يُصلّى فيه. ولهذا، كان لا بد أن يصل إلى “عنايا”، حيث مار شربل. هناك، بعيداً عن صخب البروتوكول، جلس الرجل الذي يحمل أثقال العالم أمام قديس لبنان، يصلي لنفسه، ولبلده، وللعالم، ليقول للمسيحيين في أرجاء الأرض: “إن كان العالم يحج إلى الفاتيكان، فإن الحبر الأعظم يحج إلى لبنان ليصلي بين يدي القديس شربل”.
ومع عودة قضية البطريرك الحويك إلى الواجهة، بدا وكأن الفاتيكان يوجه رسالة للعالم أجمع: لبنان ليس مجرد مساحة جغرافية، ولا مجرد دستور ونظام سياسي تتنازعه الطوائف، بل هو “فكرة روحية” وتاريخ عريق من العيش المشترك، وما تأسس في هذا الوطن لا يجوز أن يُمحى كلما تبدلت موازين القوى.
بالأمس، ومن “الديمان”، أطلق البطريرك صيحته المدوية: “إن الجنوب ليس ورقة تُستعمل في الحسابات، ولا مادة للمساومة والمقايضة، بل هو أرض لبنانية”. لم يكن البطريرك يتحدث باسم منطقة فحسب، بل كان يذكّر بأن الأرض التي تُترك للمساومات اليوم قد تصبح غداً وطناً للمفاوضين لا لأبنائه. كانت دعوته لعودة أهل الجنوب إلى قراهم، ووقف الاعتداءات، والانسحاب الإسرائيلي، تحمل معنىً واحداً: لا سلام حقيقياً واللبناني خارج أرضه.
وفي اليوم ذاته، كان الدكتور سمير جعجع يخاطب أهل البقاع بلغة مختلفة في الشكل، لكنها تتقاطع في الجوهر؛ مؤكداً أن الواجب الوطني لن يمنعه من الدفاع عن الأراضي اللبنانية كافة إذا استدعى الأمر. وهنا تكمن دلالة اللحظة والتوقيت.
أما كلمة فخامة رئيس الجمهورية، العماد جوزاف عون، فكانت الأوضح في رسم حدود هذه المرحلة. الرجل الآتي من المؤسسة العسكرية، والذي جال العالم حاملاً وجع لبنان، لم يذهب إلى العالم طالباً الحرب، بل ذهب طالباً السلام؛ السلام الذي يرفض أن يتحول فيه أبناء الوطن إلى مجرد أرقام في شهادات الوفاة، أو تصبح القرى والمستشفيات أثماناً في معادلات إقليمية كبرى.
حين يسأل فخامة الرئيس: “هل تريد إسرائيل السلام أم الحرب؟”، فهو لا يوجه السؤال لتل أبيب وحدها، بل للعالم أجمع: أي سلام هذا الذي تُهدم فيه أبنية كاملة لاستهداف فرد واحد؟ وأي حرب تلك التي يسقط فيها الأطفال ويُطلب من العالم اعتبارها “تفصيلاً عسكرياً”؟
عندما يتقاطع صوت الفاتيكان، مع البطريرك في الديمان، مع صوت “القوات” من معراب، وصوت رئيس الجمهورية من بعبدا، فإننا لسنا أمام مواقف متفرقة، بل أمام “شيء جديد” يتشكل في الوعي اللبناني. يبدو أن الكاثوليكية قررت خوض معركة بقاء لبنان بصلابة إيمان القديسين، وبشعار “ليكن ما يكون”.
لكن، في مقابل هذه الأصوات المسيحية، أين الأصوات الإسلامية والعربية؟
لقد قام لبنان بواجبه تجاه العالم، والتزم بالشرعية الدولية، وقدم كل شيء لاسيما للعالم العربي. منذ عام 1969، ولبنان يدفع أثماناً باهظة للقضايا العربية والفلسطينية؛ من شعبه وأرضه، وأمنه، واقتصاده، واستقراره. 56 عاماً ولبنان يحارب في قضايا أكبر منه، احتمل اللجوء، والاحتلال، والوصايات، والانقسامات، ثم طلب منه التوطين والتجنيس وتحمل النازحين السوريين، وكان يُقال له دائماً: “هذه قضية الأمة”.
فمتى تصبح قضية لبنان هي “قضية الأمة”؟
لقد اختار لبنان أن يكون عربياً، فهل اختارت الأمة العربية أن يكون لبنان لبنانياً؟
السؤال قاسٍ لكنه مشروع، وليس لبنان وحده من يكتشف مرارة هذه المعادلة. انظروا إلى أقليات المنطقة؛ الدروز في السويداء، العرب الأقحاح، وجدوا أنفسهم في قلب المأساة.
والعلويون الذين صار البحر يحمل أجساد ضحاياهم.
والمسيحيون، ملح هذا الشرق، بات وجودهم في بعض البلدان يُقاس بعدد الكنائس المهجورة التي لا يسكن حولها أبناؤها، وكأنها وُجدت فقط لإقناع الغرب زيفاً بأن هناك تعايشاً.
حتى الشيعة، الذين قدموا أنفسهم قرابين للدفاع عن قضايا العرب، وجدوا أنفسهم أمام عالم عربي عاجز عن تقديم موقف يخفف مصابهم، بل إن بعض الخطاب لا يزال يختصرهم بكلمة “رافضة”، وكأنهم خارج نسيج الأمة رغم إيمانهم بذات الرب والنبي والقبلة.
الحقيقة المرة أنه لا أحد سيحمي الأقليات ولا أحد سيحمي لبنان إلا اللبنانيون أنفسهم. علينا أن نحمي وطننا بعيداً عن منطق “المنتصر والمهزوم”. لا نريد أن ننتصر على بعضنا، بل نريد أن ننجو معاً.
إما أن ننهض معاً، وإما أن نسقط معاً. وحتى لو كان السقوط قَدراً، فسيكون لنا شرف المحاولة، وشرف الإيمان بقضية مقدسة اسمها: لبنان.
- MAKEUP
- Uncategorized
- أجتماعي
- أخبار العالم
- أقتصاد
- ألعاب
- اخبار اقليمية
- اخبار دولية
- اخبار سياسية
- اخبار محلية
- ازياء وجمال
- اقلام حرة
- الابراج
- بالمناسبة
- برامج
- بيئة
- تقنية
- تكنولوجيا التربية
- رياضة
- شؤون المرأه
- شؤون انتخابية
- شعر وأدب
- صحة
- صحة و جمال
- صفحة الاخبار
- طب
- فلسطين
- فن
- فيديو
- قضايا وأمن
- مال و أعمال
- متفرقات
- مقابلات Sana TV
- مقالات
- منوعات



