اقلام حرة

البطريرك الراعي… أكبر من المجد ونصف وطن.


بقلم: ناجي علي أمهز
ليست بكركي شخصاً، ولا البطريركية المارونية مقاماً من مقامات الأشخاص، إنها قبل كل شيء ذاكرة وطن. وفي لبنان، حيث كثيراً ما تختلط السياسة بالطائفة، والطائفة بالشخص، والشخص بالسلطة، يبقى من الضروري أن نميز بين الرجل والمقام، وبين الموقف والظرف، وبين ما هو عابر وما هو ثابت. ومن هنا، فإن الكلام على البطريرك مار بشارة بطرس الراعي لا ينبغي أن يبدأ من خصومة سياسية، ولا من خلاف حول المواقف، إنما يبدأ من السؤال الأوسع: ماذا أراد هذا الأمين المؤتمَن العظيم للبنان؟

لقد شهد له اللبنانيون، مؤيدون ومعارضون، مسلمون ومسيحيون، يوم حمل صليبه وحيداً سنة 2011، وتوجه إلى الولايات المتحدة رافعاً صوته من أجل لبنان، ومن أجل أن لا يتحول الخلاف السياسي إلى انقسام وطني، وألا يدفع اللبنانيون جميعاً ثمن صراع أكبر منهم. كان موقفاً ثقيلاً على صاحبه، ولم يكن من السهل في تلك الأيام أن يقول رجل دين لبناني كبير ما قاله الراعي يومها في وجه أمريكا من أجل كل الأقليات في الشرق الأوسط، في وقت كانت المنطقة تدخل طوراً جديداً من التحولات، وكانت الرياح الآتية من الخارج أقوى من قدرة الداخل على مقاومتها. ولعل التاريخ، الذي لا يكتب أحكامه في يومها، سيعيد النظر في كثير من مواقف البطريرك الراعي كما أعاد النظر في مواقف كبار سبقوه، فالحياد الذي دعا إليه لم يكن في جوهره انسحاباً من قضايا المنطقة، ولا تخلياً، بل كان محاولة لحماية لبنان من أن يكون ضحية صراعات الدول الكبرى.

وفي 30 تموز 2020، وخلال زيارة إلى غبطته برفقة دولة الرئيس عصام أبو جمرة ووفد، دار حديث طويل عن لبنان والمشهد الجديد الذي كان يتشكل في الشرق الأوسط. وحين تحدث غبطته عن الحياد وإصراره عليه، قلت له: “سيدنا، أفهم أنكم تستبقون تحولاً كبيراً في المنطقة، وأن الحياد الذي تدعون إليه اليوم هو محاولة لكي لا يأتي يوم يُفرض فيه على اللبنانيين من الخارج، ولكي يبقى للبنان شيء من قراره وماء وجهه ودوره التاريخي”. فكان رد غبطته واضحاً: “أصلاً، ولا يوم كان دور بكركي إلا وطنياً؛ بكركي تنظر إلى الجميع بمحبة واحدة، وهمها الاستمرار والاستقرار، وأن يعم السلام جميع اللبنانيين، وأن يبقى لبنان منارة في المنطقة والعالم”.

إن كلام البطريرك عن الحياد كان قد سبق إعلانه ربما بسنوات، إنما كان يرسله كإشارات، وكأنه كان يريد أن يبدأ الجميع بالحياد كي لا يقال إنها فكرته وحده، أو أنه هو من طرحها، لأنه كان يسعى لمشاركة الجميع ولا يبحث عن تسجيل مواقف خاصة له.
هذه الروح تختصر الكثير؛ فبكركي حين تكون بكركي لا تستطيع أن تكون حزباً، والبطريرك حين يكون بطريركاً لا يستطيع أن يكون زعيم فريق. قد يختلف اللبنانيون معه، ولكن وظيفة بكركي ليست أن تربح معركة على فريق لبناني، بل أن يبقى لبنان نفسه بطوائفه. وهنا ربما وقع الظلم الأكبر الذي لحق بالبطريرك الراعي، حين صُوّر أحياناً وكأن مواقفه هي مواقف رجل في مواجهة رجال، حتى صار الحديث عن استقالته عند البعض أشبه بانتصار سياسي على خصم، وهذا اختزال خطير للبطريركية في شخص، وللوطن في معادلة غلبة.

إن الكنيسة المارونية أقدم وأبقى من كل هذه السجالات، والموارنة الذين عاشوا في هذا المشرق قروناً لم يحفظوا وجودهم بالعدد وحده، بل بالنوع وبالروح الرهبانية التي جعلت من الخدمة أسلوب حياة. فالراهب الذي يتخلى عن الدنيا ليكون أكثر قدرة على خدمة المجتمع، لا يبتغي طموحاً دنيوياً يضطره لبيع موقف من أجل موقع، ومن هنا تأتي عظمة الفكرة: أن الرتبة ليست امتيازاً بل هي مقدار الأمانة. وكما قال بشير الجميل يوماً، في تعبير اختصر هاجس جماعة: “بدنا نضلّ هون، وبدنا تبقى جراسنا تدقّ بالأفراح وبالأتراح” وما حدا يقلنا “اشمل”، فإن الوجود ليس مجرد بقاء جسدي، بل هو أن يكون لك دور ورسالة.

لقد اختار البطريرك الراعي أن يبقى في المكان الأصعب؛ في الوسط. والوسط في لبنان ليس مكاناً آمناً، فمن يقف مع فريق يحميه فريق، أما من يحاول البقاء فوق الانقسام فإنه يتلقى السهام من الجميع. ولا أعتقد أن رجلاً عانى من الظلم وسوء الفهم كما عانى هو؛ فالمسامير أحياناً تكون كلمة أو اتهاماً أو تشويهاً، ومع ذلك بقيت يداه ممدودتين للجميع. وقوة رجل الدين ليست في قدرته على الانتقام، بل في قدرته على الغفران، وسيدنا البطريرك يمثل التواضع حتى الذوبان، والتسامح حتى الغفران، وهذا ما لمسته شخصياً في أكثر من مناسبة؛ فأنا أعرف سيدنا البطريرك منذ عقود طويلة كما عرفه كل الجبيليين، خاصة سكان “حي الحارة”، فإنه الجار الذي يُجار به.

إن الذين يظنون أن إسقاط البطريرك أو دفعه إلى الاستقالة يشفي صدورهم قد أخطأوا العنوان، لأن بكركي لا تسقط باستقالة بطريرك، فهي جماعة من الإيمان والتاريخ تتغير الوجوه فيها ويبقى الدور. وكما فعل البطريرك صفير حين رفض الإغراءات والمناصب، كان يعرف أن أخطر ما يمكن أن يخسره رجل الدين هو قدرته على النظر في عيني الناس دون خجل. المسألة ليست من ينتصر ومن يخسر، بل ماذا يبقى للبنان عندما تنتهي المعارك؟

اليوم، وبعد أن وقع الكثير مما كان يحذر منه البطريرك، ربما آن الأوان لإعادة قراءة دعوته للحياد بعيداً عن الاصطفاف. إن الذهاب إلى بكركي اليوم ليس حجاً إلى شخص، بل هو عودة إلى فكرة وطنية. ومن هنا أدعو اللبنانيين جميعاً، والشيعة خصوصاً، إلى أن يذهبوا إلى بكركي لا بوصفها مقاماً لطائفة، بل بوصفها أحد أبواب لبنان، لتقولوا إن لبنان أكبر من الطوائف والاختلافات. نحن لسنا بحاجة لبطريرك ينتصر على المسلمين، ولا لمرجع مسلم ينتصر على المسيحيين، بل لرجال دين ينتصرون للوطن.

قد يكون البطريرك الراعي أكبر من المجد الذي يصنعه الناس للرجال، لأنه اختار في أكثر مراحل لبنان اضطراباً أن يدافع عن فكرة تحمي الجميع؛ لبنان الذي لا يكون فيه أحد غريباً عن أحد. فإذا كان للمجد معنى، فليس المجد في أن يصفق لك نصف الوطن، بل المجد في أن تستطيع فتح بابك للنصف الآخر، والبطريرك الراعي يكفيه فخراً أنه أبقى الباب مفتوحاً.

إن “المجد” الحقيقي للبطريرك الراعي ليس في بقائه في المنصب أو رحيله عنه، بل في قدرته على “إبقاء الباب مفتوحاً” في زمن أُغلقت فيه كل الأبواب؛ في زمن انسحب فيه كل فريق إلى طائفته وعشيرته وزمرته، بينما بقي هو يجمع الجميع، ولا يساوم أبداً على حساب ازدهار الوطن واستقراره، وامان شعبه ووحدته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى