اقلام حرة

هناك عائلاتٌ تُباد يوميًا في لبنان.

 

نستفيق كل صباح على نشراتٍ تُحصي “عدد أشخاص” استشهدوا، لا أسماء لهم، لا وجوه، لا حكايات، كأن الإنسان تحوّل إلى رقمٍ عابر في شريط أخبار سريع. أمّهات يُنتزَع أولادهن من الحياة، بيوت تُمحى، مسيّرات تطارد أطفال، وأحياء كاملة تعيش على إيقاع الخوف والانتظار، بينما يبدو العالم وكأنه أصيب إمّا بالخرس… أو بالحقد.
نسأل أنفسنا كل يوم: ماذا بعد؟
وهل هناك أصلًا “بعد” لكل هذا الألم؟

ربما أكرر الأفكار نفسها. وربما يملّ البعض من الحديث عن الوجع والعدالة والإنسانية. لكن كيف لا نكرر، ونحن نعيش تكرار المأساة نفسها؟ كيف لا نعيد التذكير، فيما الدم نفسه يُراق، والأمهات أنفسهن يبكين، والخوف نفسه يسكن القلوب؟
لذلك سأعيد الكلام، وأعيد الصرخة، حتى يكشف الله أمرًا كان مفعولًا، وحتى لا يصبح الصمت شراكةً غير معلنة في الجريمة.

في خضم هذا المشهد، نسمع قادة العالم ” بوتين بالأمس” يتحدثون عن حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها ومحاربة التمييز العنصري. كلمات تبدو عظيمة في خطابات السياسة، لكنها تصطدم يوميًا بواقعٍ مختلف تمامًا. لأن السؤال الحقيقي لم يعد: هل توجد قوانين دولية؟ بل: هل تُطبَّق على الجميع فعلًا؟
العالم اليوم لا يعاني فقط من الحروب، بل من ازدواجية المعايير. هناك شعوب تُعتبر مأساتها قضية عالمية تستدعي التحرّك الفوري، وشعوب أخرى يُطلب منها أن تتألم بصمت، أو أن تنتظر دورها على طاولة المصالح الدولية. هناك ضحايا تُفتح لأجلهم الشاشات والمنابر والمحاكم، وضحايا آخرون يُختصرون بأرقام باردة في آخر النشرات.
المؤسسات الدولية التي أُنشئت لحماية الإنسان تبدو أحيانًا عاجزة، وأحيانًا انتقائية، وأحيانًا واقعة تحت ثقل النفوذ السياسي للدول الكبرى. لذلك لم يعد كثير من الناس يشعرون أن العدالة الدولية ميزانٌ واحد للجميع، بل باتوا يرونها خاضعة لحسابات القوة والتحالفات والمصالح.
لكن الأخطر من سقوط القذائف، هو سقوط الثقة بمعنى العدالة نفسه. لأن الشعوب حين تفقد إيمانها بأن القانون يحمي الجميع بالتساوي، يبدأ العالم بالدخول في مرحلة خطيرة من الغضب والفوضى والانهيار الأخلاقي.
ومع ذلك، لا بد من التمسك بالأمل.
ليس الأمل الساذج، بل الأمل المبني على وعي الشعوب، وعلى أصوات الأحرار الذين يرفضون تحويل الإنسان إلى تفصيل صغير في لعبة المصالح الكبرى. فالعدالة الحقيقية لا تتجزأ، وحقوق الإنسان لا تُقاس بجنسية الضحية ولا بدينها ولا بموقعها الجغرافي.
الإنسان يبقى إنسانًا… أو يسقط العالم كله في امتحانه الأخير.

#خلودوتارقاسم

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى