اقلام حرةمقالات

كورونا”.. صراع العلم والإيمان  كتب عبد العزيز بدر القطان ل سناtv

“كورونا”.. صراع العلم والإيمان

كتب عبد العزيز بدر القطان ل سناtv

 

نواة كل مجتمع، وخلية الحياة، وروح الكرة الأرضية، هي “الأسرة”، منها تنبثق الحياة وتبعث كل حي يسعى إلى رزقه في كل أرجاء المعمورة، صلاح الأسرة يُعطي صلاحاً للمجتمعات، للفكر وللدين ولمقاومة العقبات، أين أخطأنا؟ وأين أصبنا؟، وأين نحن من الواقع؟

فيروسٌ لا يُرى بالعين المجرّدة، لكنه هددّ الحياة، هدد قوت الإنسان، وطمأنينته، أقلق سكينته، إلا من كان مؤمناً بقدره، متضرّعاً خاشعاً يحمد الله تعالى على السرّاء والضرّاء.. شكّل الوباء صدمة للجميع، لكنها صدمة طبيعية وصحية، مرعبة لكنها واقع علينا التعامل معه والصبر حتى إنقشاع الغمّة، الحقيقة الثابتة أن جميع البلاد إنغلقت على نفسها ضمن سيرورة البقاء، فمن كان يحتمي من القصف ومن الصواريخ ومن الفقر ومن الجوع ومن القلّة! تساوت البشر جميعها اليوم، فما هي حكمة الله عز وجل من وراء هذا الوباء؟

قال تعالى “الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون”.

هل هي إعادة التفكير والتأمل بأخطائنا وتصحيحها؟ أم هو غضبٌ إلهي لكثرة الجحود والنكران، وكثرة النفاق والبهتان، كله وارد، نعمّم ولا نخصّص، فلسنا وكلاء السماء على الأرض، ولسنا حُماة من على الأرض، إنها طبيعة الإنسان، فبلحظة تحكمه الغريزة “غريزة البقاء” يفتش عما ارتكبه ليصحح ذاته ويستشفي من الأمراض المزمنة “الحداثة والتكنولوجيا والبُعد الاجتماعي والتقصير بحق الأسرة، والكثير الكثير”، هو وباءٌ نعم، لكنه فرصة العودة إلى الله عز وجل، فرصة إلى المصالحة مع الذات، فرصة لتصحيح مسارات أخلّت بتوازن الكوكب الذي ما عاد يحتمل الظلم والجور والقتل والفتن والحروب، كوكب أصبح مثقلاً بالأنانية والأطماع، يريد تخفيف الأحقاد وتصويبنا، فلنعترف بأننا مخطئون ولو لمرة واحدة، لم ننصف إخوتنا في الدين أو في الخلق، أين الإيثار منا وأين نصرة إخوتنا وأصبحت المشاهد الدموية حدث عابر في نشرات أخبارنا، وأين التكافل الاجتماعي هل هو في شهر الغفران فقط؟ وماذا عن باقي العام؟
إنها أسئلة كثيرة منها ما هو مشروع ومنها ما يحتمل التأويل ومنها ما يؤرق بحثاً عن جواب!

الفطرة

بدافع الحاجة الفطرية اختلط العلم بالظن والحقيقة بالوهم، فهناك من قاده إيمانه بعالم الغيب إلى التقوى والاستقامة، وبالعكس، البعض أخذه غروره لدرجة ظنه أنه محور الكون، وأن قوى الطبيعة تتبع هواه من دون الناس، وهنا نستحضر الآية القرآنية التي تقول: “قد مس آباءنا الضراء والسراء”، إذاً كلنا تعرضنا لتقلبات لكوارث وأوبئة لصعود وهبوط، وكله من عند الله عز وجل.

و”ما لا يجيب عنه العلم سيجيب عنه المزيد من العلم”، هي عبارة صحيحة وخالية من العلة، العلة هي في خلق التعارض بين الدين والعلم، والله تعالى حين يخبرنا في القرآن الكريم عن عمله في تدبير شؤون الخلق، فهو لا يقصر تدخله بطريقة خوارق العادة، بل إن القوانين ذاتها هي تجليات لعمل الله تعالى، مثلاً، فإن كلمة “آية” تشير أحياناً إلى معجزة مثل تكلم عيسى عليه السلام في المهد أو إغراق فرعون في اليم، لكن كلمة “آية” تشير في مئات المواضع في القرآن الكريم إلى الظواهر الطبيعية التي نراها حولنا كل يوم: “ومن آياته منامكم في الليل والنهار وابتغاؤكم من فضله”، “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً”، “ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات”، “ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته”.

إن أكثر الأمور التي نألفها مثل قانون الجاذبية والنوم وضوء النهار وهبوب الرياح والتزاوج بين البشر وتعدد اللغات وتكوّن الجنين، هي آيات يتجلى فيها عمل الله تعالى، فالله لا يتواصل مع عباده بالمعجزات فقط، بل إن التواصل بالمعجزات هو استثناء نادر جداً، إنما يتواصل معهم بواسطة القوانين التي يعيشونها كل يوم حتى يدفع شدة تقبل هذه الظواهر وتكرار حدوثها أكثر الناس إلى الغفلة عن المعنى الروحي الذي تتبطنه، لأن شدة القرب حجاب: “طال عليهم الأمد فقست قلوبهم”.

العلم والإيمان ضرورة

من هنا، إن الإيمان حقيقة جوهرية تسري في كل زمان وكل مكان، وتنطبق على كل أمة أياً كانت ديانتها ومعتقدها، ومع تقدم التطور توسعت مساحة العلم ووضع الإنسان يده على كثير من أسرار الكون فتحرر من عبودية الجهل، وتمكن من تسخير كثير مما في السماء والأرض له بفضل اكتشاف القوانين. هذا التقدم العلمي أغرى الإنسان بالإعلان إلى أن الحاجة إلى الدين انتهت.

لكن مع تفشّي فيروس كورونا حول العالم، تبيّن أن العلم ضعيف أمام فيروس لا يُرى بالعين المجردة، إذ لم يتم التوصل إلى الآن إلا على وضع نظريات وفرضيات تنتظر التجارب السريرية حتى يتم إثبات صحتها من عدمها، فلم تنفع لا دبابات ولا مدافع ولا جيوش أمام وقف زحف هذا الوباء، إلا عندما يقترن الإيمان والعلم معاً، فهذا الفيروس على صغره وشدة فتكه، حطّم نظرية الإلحاد بالضربة القاضية، فعلى الرغم من عدم رؤيته إلا أن الجميع آمن به، فكيف وربكم رب السماء والأرض، رب المشارق والمغارب!

فالعذاب الإلهي في الدنيا موجود وموثق بالقرآن الكريم، قد يكون فيضان وقد يكون بركان، قد يكون زلزال وقد يكون وباء، قال تعالى: “قُلْ هُوَ الْقَادِرُ على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ”، من هنا، الدعوة إلى التفقه تأكيد على حضور الفعل الإلهي في الأفعال البشرية المعتادة، وهذا أضعف الإيمان.

إن كل ما يحدث على هذه الأرض هو لحكمة ظاهرة أو باطنة، ولو قال أحدهم: “إن هذه الفيروسات الهشة تحطم غرور الإنسان وتظهر ضعفه ووهم شعوره بالقوة”، إن الله تعالى وتبارك، لا يتكلم مع البشر جهراً، والسنن الطبيعية هي كلمات الله التي لا تنفد، والإنسان مهما بلغت قوته فإن الضعف يحاصره من بين يديه ومن خلفه، وإذا علم الإنسان ضعفه كان أجدى به أن يخشع ويتواضع ولا يتكبر إلا أن يقسو قلبه. إن شرط الانتفاع بالآيات هو الإيمان، ومن لم يؤمن فلن تغني عنه كل الآيات والنذر، وتوصل البشر لمصل مضاد لهذا الفيروس لن يلغي الإشارة الإلهية المتضمنة فيه، وآيات الله لا تنفد، ففي كل يوم وفي كل زاوية من هذا الكون ثمة إشارات ودلالات لقوم يتفكرون!

التضرع إلى الله

مع ما تمر به البشرية اليوم وتساوي الجميع في الظرف والحال والوضع، صدفة عجيبة، لكنها أنصفت كل مظلوم من ناحيةٍ ما، فمن كان يحتمي داخل غرف بيته من صواريخ الحروب وتفجيرات الإرهاب، كان هناك على المقلب الآخر شعوب تعيش حياتها ولا تعرف عن غيرها شيء، أما اليوم فيروس صغير وضع الجميع أمام حالٍ واحد، فحتى المؤمن وغير المؤمن يحتاج إلى بصيص أمل، يحتاج إلى إله يرتجيه ويتضرع إليه ويطلب منه، وكلنا رأينا السيدة فيروز تدعو وتصلي من أجل العالم الذي يعاني حاليا من وباء كورونا، وتقول: “توكلوا عليه في كل حين يا قوم اسكبوا قدامه قلوبكم، الله ملجأ لنا”. هي فيروز التي لطالما انعزلت عن الجميع واعتزلت الضجيج في أزمنة الموت والدمار والحرب.

ففي تقرير لمجلة نيوزويك الأمريكية سلطت الضوء فيها على الضوء على تعاليم نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، التقرير جاء تحت عنوان: “هل يمكن لقوة الصلاة وحدها إيقاف وباء مثل كورونا؟ حتى الرسول محمد كان له رأي آخر”، وقالت المجلة إن هناك خبراء ومختصي مناعة، يوصون بالحفاظ على النظافة والحجر أو العزل عن الآخرين، باعتبارها أكثر الإجراءات فاعلية لاحتواء كورونا، أو منع انتشار الأمراض المعدية عموماً، وأضافت: هناك شخص آخر أوصى بالنظافة والحجر خلال انتشار وباء، إنه نبي الإسلام محمد، وذلك قبل أكثر من 1300 عام، كما استشهدت المجلة بأحاديث للنبي في هذا السياق، أحدها:
“”إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها

من هنا، الدين الحقيقي يؤمن بالعلم ويقدّسه، ويشجع عليه، فهل تصح رواية القائلين: “العلم يهزم الدين!”، الدين مقرون بالعلم، “أفلا يتدبرون، أفلا يتفكرون…”، هل يكون هذا الوباء مدخلاً للعودة إلى الإنسانية، للعودة إلى الخالق عز وجل، إلى ترسيخ الأخلاق.. إلى إيلاء الصحة التي هي أمانة الله، على عقود التسليح وقتل الناس.

أخيراً، إن التنبه إلى البعد الروحي في الحوادث يهذب نفس الإنسان ويجعله أكثر إنصاتاً لموازين العدل التي بني عليها هذا الكون، دون أن يعطل ذلك تفاعله الفكري مع الحياة، لكن الخطر يتمثل في استغلال هذه المفاهيم بطريقة انتقائية أهوائية، ولتجنب هذا الاستغلال فإن قيمة الفهم الروحي ليس في كونه مادةً للجدل الفكري أو الشعور بالأفضلية القومية على الأمم الأخرى، بل قيمته هو ما يبنى عليه من تهذيب النفس ورفع مستوى الرقابة الأخلاقية وعدم تكبر الإنسان

على الخالق مهما زاد علمه وعظم سلطانه.
كاتب وحقوقي كويتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى