اقلام حرة

الأحمق

د.احمد عياش

 

يطلقون عليه وصفاً ثقيلا على السمع،يسمّونه الأحمق وإن أرادوا اللطف به دعوه بغبيّ المدينة او بالأبله .
وهو يعلم ويدرك ويشعر ولم يحتجّ .
يناسبه اللقب تماماً ولا يزعجه،مرتاح بإسمه الاجتماعي اكثر من اسمه الحقيقي البيولوجيّ.
يستفيد من سخريتهم على شاكلة تعاطف معه،يقبل هداياهم على شاكلة رشاوى للربّ ليغفر لهم.
لا يعارضهم ،يتركهم يعتقدون انّه هنا كساعي بريد مهمتّه بعث الرسائل من الدنيا إلى الغيب،يحوّل حقاراتهم إلى حسنات لمجرّد انه لا يعارضهم،انّه يضحك لنكاتهم السمجة.
لا يمانع ان طلبوا منه الرقص ضاحكا ليطعموه ولا يمانع ان يشتم اعداءهم ليناولوه فنجان قهوة.
يقبل المال ويصمده في جيبه.
يعلم انهم يعتبرونه مهرّجاً للتسلية المجانية الا أنّه لا يرضى ان يناديه احد بالاخوت.
ردّد كلمة “اهبل” بقدر ما تشاء لكن لا تقل عنه مجنوناً فإن قلت توقّى شرّه.
الف كلمة احمق او غبي او ابله او “درويش” ولا كلمة اخوت او مجنون.
لا يتسامح بذلك ابداً،هو يعرف الفرق،الأهبل يولد بالتكوين اما المجنون فإنّه مساهم في خَوَته ،مشارك ارادياً ضدّ نفسه.
يناسبه الأحمق و قد رضي بقدره،تعايش مع مصيبته الا انّه مرتاح في اضطراباته،لا يشتكي.
ليس بحاجة لذكاء اكثر مما لديه فما عنده يكفي ليعيش وليترك غيره يعيشون بسلام.
لم يشارك اي ابله في قرار اي حرب عبر التاريخ.
لم يصنع اي احمق سلاحا.
قرار الحرب يتخذه الأذكياء دوماً.
عندما يعود إلى بيته ليلا لينام،يعطي والدته المسكينة ما جمعه من مال .
يصرف على البيت وحتى انّه يعلّم اخوه الصغير على نفقته،بإسمه كأحمق يدخل إلى ادارة المدرسة ومن دون أن يفاوض يرضى مدير المدرسة فوراً تسجيل اخوه بلا مقابل .
يكفي ان يقف أمام صاحب فرن الحيّ ليناوله الأخير “منقوشة زعتر” .
اسمه يسبقه اينما رحل.
تعرفه الناس اكثر مما تعرف كرامتها.
يثق به الجميع فلا احد يغيّر حديثه في السياسة مع رفيقه إن اقترب وحتى النساء يكملنا احاديثهن عن مغامراتهن العاطفية بقربه دون قلق.
اعتبارهم انه الأحمق يجعلهم لا يشعرون بخطره.
الا انّه أخطر مما يظنّونه لأنّه يعرف الجميع تمام المعرفة وأسرار الجميع موثقة في ذاكرته الا انّه لا يخطىء بحق احد ولا ينقل كلام احد الى احد ولا يفشي سرّاً يتسبب بجريمة او بشرّ.
كأحمق يستفيد من الجميع،وحده هو الحاضر الغائب والغائب الموجود حتى الشرطة لا يقتربون منه الا بالحسنى،لا يخافهم ولا يخشى سجنهم.
ليس في المدينة قاض يرضى بسجنه ولو سرق.
الا أنه لا يسرق.
لا ينصب.
لا يحتال.
لا يكذب.
لا يزني.
لا يُفسد في الارض ولا يسفك دماً.
لا يمكر.
لا يتآمر.
لا يقبل رشوى.
لا يطلب منه رجل الدين ان يصلي او ان يصوم .
يظن رجل الدين ان لا واجبات على الابله ويعتقد احمق المدينة ان رجل الدين لا يعظه ولا يزوره في بيته لأنّ لا مال عنده وليس منه منفعة ابداً.
الابله يعرف.
يعرف في قرارة نفسه انه اشرف من القاضي ومن رجل الدين ومن رجال الشرطة ومن القادة ومن وجهاء المدينة ومن نسائهم ومن تجّار الأحياء إذ حتى لو طلب سجلّا عدليا له لا يعطونه اياه في مركز قوى الأمن الداخلي ويقولون له :
“براءة انت بريء،براءة لا داعي لطلب النشرة”.
كل اهل المدينة يعتبرونه احمقاً وهو يعتبرهم منافقين.
بين احمق ومنافق يختار لنفسه لقب الأحمق بجدارة.
يعرفهم فرداً فرداً،يضحكون عليه و هو عندما يختلي بنفسه يحتقرهم .
الف كلمة غبي المدينة ولا كلمة تاجر فاجر او مجنون او كاذب او فاسد او مجرم او منافق..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى