اقلام حرة

احتراف مهنة التشييع.

د. احمد عياش

كلما اهتمّ المنظّمون بمراسم التشييع كان الدليل ساطعاً اكثر انهم يحاولون رشوة الاهل بالتكريم خشية انفجار غضب الشارع البائس.
ليست الازمة في تراكم الخيبات بل في تسارعها إلى حدّ ان الناس ما تكاد تنتهي من خيبة حتى تأتيها إشارات خيبة أسوأ.
الجماهير التي تراها حول النعش لا تعرف الميت ،حضرت لأجر لله ،لحسنة مرجأة،لأمل مؤجل.
اهل المرحوم يعرفون ان الحشد سيختفي في اليوم التالي ولن يبق في زاوية غرفة الاستقبال الا ام متشحة بالسواد تحكي صورة واخت شاحبة وأب يضرب الكفّ بالكفّ حزيناً لا يصدّق انه خسر حتى وديعته في الحياة.
أبناء شعوب دول العالم الثالث والرابع ودائع اهل في الحياة لضمان شيخوخة تعيسة في كلّ الاحوال.
ما عادت العائلة كبيرة تحتمل سقوط قتلى او شهداء لوجود عناصر احتياط .
صارت الحاجة تستدعي إرسال حتى الشاب الوحيد إلى الجبهة.
أصحاب العقائد المشبّعة بالاساطير وبوعود الغيب لا ترى في المفقود خسارات او ضحايا بل تراهم شراء أسهم مقدّسة في مشروع منتجع الجنّة.
تزيين الراحل بالورد وبالألوان لا تخفي الجراح.
الأكاليل وبعد ذبول الورد تتحوّل لحلقات مشانق لأهل القتيل تلتفّ حول رقابهم لتضغطهم ولتخنقهم ببطء.
لا تبخل الناس المؤمنة في تقديم الاضاحي للربّ العابس الذي لا يرضى رغم كثرة القرابين إنما ظنّت الناس خطأ ان عطاءاتها ستتحوّل لحياة عزيزة للآخرين الا ان الشارع صار أسوأ والعتمة صارت أشدّ والصحة العامة في تدهور واغلب الناس تتناول مهدئات كي لا تصاب بالجنون.
كيف سيشيّع الشعب غداً ثلاثين ألف شهيد فوق الأرض وعشرة آلاف تحت الركام ،من أين سنأتي لهم بالورود من أودية هولندا؟
هل من شاحنات ورد تنتظر عند معبر عند الحدود؟

كيف شيّعت هيروشيما قتلاها ولماذا لم يلتقط احد صورة للقداس الجنائزي الجماعي لمجزرة ناغازاكي؟
هل من صورة تذكاريةللاغتصاب الجماعي بالملايين للألمانيات عند سقوط المانيا للاحتفاظ بها بمتحف اللوفر بدل الاحتفاظ بجمجمة سليمان الحلبي اسيرة في معتقل ؟
ماذا فعلت المانيا بجثث برلين؟
هل حُفرت اسماء أبطال ستالينغراد على جدران الشوارع حيث سقطوا ام نسيت الاجيال كل الاسماء وبنى التجار ناطحات سحاب؟
قبل أن يموت صاحبي أشار لي نحو ناطحة سحاب تخترق سماء بيروت ليخبرني ان متراسه وسنوات طويلة كان هناك وانه كاد ان يُقتل مرارا عديدة دفاعا عن ساحة الاشرفية.
مات و دفن دون أن يعرف بموته احد.

تتذكر الناس مشهد حمل النعوش على الاكتاف في اوّل الجنازة وتتجاهل مشهد رمي النعش المزيّن بصلي في الحفرة في آخر الحفل او في جارور في غرفة نائية.
تجاهل الناس لا يعني انها لا تعرف ولا تعي اوجاعها لكن لا حيلة للناس كي توقف مسلسل الحروب.

التشييع صار مهنة واحترافاً وربما تخصصاً جديداً في الجامعات لما له من فوائد في رشوة الشارع عند المآسي بلا ضمير.

اطمئن فإن متّ انت فلن يحضر موتك احد ليس لأنك مجهول إنما لأن موتك لا يفيد احد وغير قابل للاستثمار إذ لن يجد رجل الدين فائدة من الصلاة عليك ولا حتى السياسي سيجد في رثائك اية منفعة.
انت لست رسالة مفيدة او ممتعة.

 

 

المقال يعبر عن رأي كاتبه و ليس رأي الموقع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى