
الحروب الباردة والساخنة في المنطقة خطفت عناصر الإثارة لدراما اللعبة اللبنانية، وجردتها من أبعادها الخارجية لعلها تفسح المجال لتجربة سياسية فريدة يديرها اللبنانيون أنفسهم. لكن الفراغ الدبلوماسي الذي سببه بركان هذه الحروب أعمى البصيرة في الداخل اللبناني لاستغلال هذه الفرصة لدى كل فريق حتى يدخل ميدان المناورة بغاية تحسين ظروفه وتزخيم شروطه.
الديمقراطية هي أزمة لبنان الحقيقية التي تتغنى بها بعض القوى السياسية بإفتراء لتدجين قواعدها وأنصارها، وجعلهم العوبة تحت هذا العنوان، والعجيب في الأمر أن أكثر المتحمسين لاتفاق الطائف هم الآن في حالة فتور .
إن ما يحصل في الوطن العربي من حروب تدميرية يثير الاستغراب لأن الاستعمار الذي اعتقدنا أنه اتكأ على عصاه ورحل، إذا به يعود شاهراً عصاه في وجه الأمة. وهذا الواقع المؤلم والتراجع المزري أنسانا الحكمة العربية والمصلحة القومية التي كانت أقرب إلى النجاح من أيام الجنون المطبق والخوف المطلق.
يعيش العالم مرحلة مجنونة في الشرق الأوسط بعد السعي الأميركي لإعادة تشكيل خريطة جديدة للمنطقة، وهذا الأمر يحصل ضمن فوضى سياسية وعسكرية بحيث أن بقعة النار لن تبقى مكانها. والحل الوحيد لهذه الأزمات المستعصية التي تدق الأبواب العربية تكمن في الوحدة التي هي الخيار الأخير لجميع الأزمات القومية، شرط أن تنتقل هذه الوحدة من الوطن الصغير إلى الوطن الكبير، لا أن يقتلع الوطن برمته إلى المنفى، لأن الوحدة حق واحد لشعب عربي واحد. وإذا نظرنا حالياً إلى العديد من الدول العربية لوجدنا أن شعبها تحوّل إلى الهجرة والتشرد وإلى شعب لاجئ آخر. وأبسط ما يقال حيال هذا المخطط الذي نعيشه إن هذا القتل الجماعي هو شرخ في مضمون الوحدة ومؤامرة قاتلة لها. وهذا التشوه العربي وللأسف يطال أغلى وأعز أحلامنا القومية.
د.هيثم الديراني







