

يعجُّ الفضاء الإعلامي اليوم بالكثير من الأقاويل والتحليلات حول “الظهور المفاجئ” للحداثة في إيران، وذلك عقب نشر الصحف الغربية صوراً لنساء إيرانيات يتجولن دون حجاب. والسؤال الذي يطرحه الجميع باستغراب: لماذا تغيرت إيران في هذا التوقيت؟ والحقيقة أن السؤال نفسه مبني على فرضية خاطئة.
قبل أيام، وفي حديثٍ مطول مع شخصية مسيحية مرموقة، وجدت نفسي أشرح “إيران الحقيقية” بأسلوبي، بعيداً عن القوالب الجاهزة. حدثته عن فسحة الحريات الواسعة التي تعيشها مختلف الطوائف، وعن حقوقهم الدستورية التي لا تنتقصها سلطة. أرسلت إليه صوراً تعكس واقع الشارع الإيراني: نساءٌ بملابس عصرية فاخرة، بعضهن غير محجبات، يسرن في الأسواق ويركبن المترو بكامل حريتهن وحضورهن. أرفقت ذلك بملخصات عن الفكر السياسي للإمام الخامنئي، وعن تلك الروح التي لا تُلتقط في عناوين الأخبار بل تُكتشف في التجربة والمعرفة.
قلت له بوضوح: “إيران تُقرأ… لا تُسمع”.
لقد وقعت إيران ضحية تشويه مزدوج؛ فالإعلام الغربي شيطنها بذريعة حقوق الإنسان، وإعلام محور المقاومة -من حيث لا يقصد- اختزلها حين رسمها كثكنة عسكرية ومصنع للصواريخ فقط. كلاهما اغتال إيران الحقيقية: واحة الحضارة، لا ماكينة الحرب.
إيران التي عرفتها بعد القراءة والبحث، ليست صدى لما يروّجه الآخرون. إنها بلدٌ جميل حدَّ الدهشة، لغته موسيقى، وحديثه همس. شعبٌ يبيع التبغ العجمي لكنه لا يبيع وقته هباءً على نرجيلة. شعبٌ يحوك السجادة لا ليعرضها في السوق فحسب، بل ليعرض “صبره” للعالم. شعبٌ يعيش التصوف حتى الذوبان، ويغرق في التأمل وكأنه يناجي الله عن قرب، ويدخل المراقد المقدسة على أطراف أصابعه خشية أن يزعج سكون الأرض حول القديسين. هو شعب يختلف عن صخبنا المعتاد في كثير من بلداننا العربية.
كنتُ، مثل كثيرين، أظن أن إيران الثورة لا تنتج إلا الشهداء والخبراء العسكريين، وأنها مشغولة بقتال إسرائيل صباحاً ومساءً. كنت أتساءل: هل يريد الإمام الخامنئي أن يكون فاتحاً جديداً؟ أم يريد تحرير فلسطين ليكتب التاريخ فصلاً آخر يشبه صلاح الدين؟
ولكن، حين تعمقت، أدركت أن إيران لا تقاتل الإسرائيليين لأنهم يهود، بل لأنهم كيان يريد أكثر من حقه ويغتصب حقوق غيره بل ينظر الى بقية المجتمعات على انهم “جوييم”. أدركت أن الإمام الخامنئي لا يسعى ليكون “صلاح الدين” الذي حرر فلسطين من الصليبيين -رغم عظمة القائد التاريخي- بل إن رؤية الإمام لفلسطين أشمل وأرحب؛ يريدها أرضاً لكل البشر والأديان، مستلهماً رؤيته من الإمام علي بن أبي طالب: “الناس صنفان: إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق”.
الإمام الخميني وبعده الإمام الخامنئي، لا يشبهان القادة السياسيين والعسكريين التقليديين، بل يحملان فكر الإمام علي (ع). ولو كانت إيران في الغرب، لوُصفت حركتها بما يشبه “الثورة البروتستانتية” في المسيحية، أي الفكر المجدد والإصلاحي. لكن مأساة عالمنا العربي والإسلامي تكمن في الخوف من تغيير الأنماط الفكرية، وفي استسهال الهجوم الطائفي على الشيعة كما يستسهل الغرب الهجوم السياسي والاقتصادي عليهم، بينما يحاول الشيعة جاهدين الجمع بين الأصالة والمعاصرة.
خلال عامي 2022 و2024، وحين قرأت ما يقارب سبعين بالمئة من كتب الإمام الخامنئي وشاركت في دورة للتعرف على منظومته الفكرية، اكتشفت كم كنا نجهل. وجدت نفسي أمام إنسان أراه للمرة الأولى دون ضباب الإعلام وعدسات التخويف.
الفرق بين إيران التي تُقرأ، وإيران التي تُذاع، هو الفرق بين أمة تصنع حضارة، وإعلام يصنع “فزّاعة”. إيران ليست ضجيج صواريخ بل هدوء عقل وصناعة واستثمارات وتطور طبي وتكنولوجي؛ ليست معسكراً بل حدائق شعر وفكر.
ولعلّ أعظم مثال على العمق الانساني هو رؤية الإمام الخامنئي لقضية “الحجاب”، وهي المقاربة التي تجمع بين توازن الشرع ورحابة الإنسانية.
يضع الإمام الخامنئي قضية الحجاب في إطارها الواسع: نعم، هو فريضة شرعية، وقيمة إنسانية تميز المرأة ولا تقصيها، وتنسجم مع الفطرة الرافضة لسلعنة الجسد. لكن ما يميز طرح الإمام هو تلك القاعدة الذهبية التي يضعها في وجه التشدد المنفّر، ومفادها:
“الحجاب واجب… لكن المرأة غير الملتزمة به التزاماً كاملاً (أو ما يعرف بالحجاب الضعيف) ليست خارجة عن الدين، ولا يجوز اتهامها بمعاداة الثورة أو عدم التدين”.
هنا يظهر الفارق الجوهري بين الحكم الشرعي والحكم على الإنسان. فالإمام يرفض تحويل الحجاب إلى أداة إدانة أو مقياس وحيد للتدين. يرى أن التعامل مع هذه المسألة يجب أن يقوم على التوعية لا الإقصاء، وعلى الاحتواء لا النبذ، لأن الظواهر الاجتماعية لها جذور ثقافية لا تُعالج بالقسوة، فالقسوة مهما كانت غايتها نبيلة فانها تظهر شرور الانسان.
وكما خاطب الامام الخامنئي المرأة كذلك خاطب الشباب بالمساواة، عن ازيائهم وطريقة تمسكهم بتقاليدهم، لكنه لم ينفرهم من حداثة العلوم والتطور والاندماج مع التكنولوجيا وفهم فلسفة العالم.
في هذا الفكر تكمن حكمة المدرسة التي لم تغلق باب الاجتهاد؛ ثباتٌ على الأصول ومرونة في الطرح. هذا هو المنهج الذي يواجه به الإمام المستجدات، من أزياء الشباب الحديثة إلى القضايا الاجتماعية: الحفاظ على الجوهر، وفتح الباب للإنسان ليقترب من الدين لا ليهرب منه.
إن الإمام الخامنئي، في جوهر فكره، “مبشرٌ” بالدين وليس “فارضاً” له؛ يهمه أن يحافظ الإنسان على القيم الإنسانية التي تسمو به، لأي دين أو طائفة انتمى.







