اخبار دولية

هل تتوجه روسيا شرقاً نحو الصين

 

على الرغم من جرعة التفاؤل العابرة التي أضفتها قمة الرئيسين بوتين وبايدن المنعقدة في جنيف منتصف الشهر الجاري، إلا أن مراكز الاضطراب في العالم عادت لتعمل بكل طاقتها.

إنها ثلاث مراكز في العالم تعرقل جميع جهود التوصل إلى الأمن والاستقرار الدوليين على أساس احترام قوانين هيئة الأمم المتحدة والانصياع لدور مؤسساتها في حل النزاعات المختلفة. واشنطن ولندن وتل أبيب.
لا يستطيع الغرب التعامل مع روسيا بندّية، بسبب عجزه عن نسيان تلك النشوة الكاذبة التي أصابته عقب تفكك الاتحاد السوفيتي، التي صاحبت ظواهر وأزمات مختلفة، تصوّر الشركاء الغربيون وربما أرادوا لها أن تكون مستدامة، ولا أستبعد أن يكونوا قد رصدوا، ولا يزالون، موازنات كي تعود روسيا لتلك الأوقات “الذهبية” بالنسبة لهم.
أعني بذلك أحداث التسعينيات من القرن الماضي، حينما كادت روسيا أن تفقد مقومات الدولة، وأن تتفتت إلى دويلات كما حدث في يوغوسلافيا، أو أن تصبح جزءاً من مسرح العرائس الذي تمثله بولندا والتشيك ودول البلطيق. لم يحدث هذا، وتمكنت روسيا من أن تحوّل مجرى التاريخ الذي كانوا يريدونه لها إلى مجرى آخر أعاد لها وضعها الإقليمي والدولي، وشرعت في المطالبة بالحد الأدنى من الاحترام والمساواة والتكافؤ بين الدول في جميع أنحاء العالم.
إلا أن صقور واشنطن، ولندن يبتكرون ويخترعون مختلف أنواع الاتهامات، ويبتدعون الاستفزازات ضد روسيا، رغبة منهم في عرقلة أي توافق دولي أو تطبيع للعلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي. وهو ما يتعارض والهيمنة الأمريكية، وهيمنة الناتو على مجريات الأحداث حول العالم.
من بين تلك الاستفزازات ما وقع مؤخراً من اختراق للمدمرة البريطانية “ديفيندر” Defender للمياه الإقليمية الروسية المتاخمة لساحل شبه جزيرة القرم، بذريعة أنها مياه إقليمية “أوكرانية”.
ومع أن الدولة الساحلية لا تمتلك الحق، وفقاً للقانون الدولي، في منع المرور السلمي لسفينة أجنبية عبر مياهها الإقليمية دون سبب. إلا أن روسيا كانت قد حذّرت قبل فترة طويلة من اقتراب المدمرة الحربية البريطانية “ديفيندر” من الحدود الخارجية للمياه الإقليمية الروسية قبالة ساحل شبه جزيرة القرم، ونشرت قانوناً معيارياً بشأن المناطق المغلقة مؤقتاً للملاحة، بما في ذلك النطاق الذي تحركت فيه المدمرة البريطانية، وأعلنت روسيا بوضوح السبب في ذلك وهو المناورات التدريبية التي تجريها، وهو حق أصيل في السيادة الساحلية الإقليمية لروسيا على مياهها.
من جانبها، تجاهلت بريطانيا، بصفتها دولة العلم للسفينة الحربية، تلك السيادة الإقليمية، على الرغم من وجوب التزامها، وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، بمراعاة “قوانين وأنظمة الدولة الساحلية”. وقد اعترفت بريطانيا نفسها بتلقّي هذا التحذير، وصرحت وزارة الدفاع البريطانية في بيان بعد الحادث: نعتقد أن الروس أجروا مناورات دفاعية في البحر الأسود، وحذروا المجتمع البحري مسبقاً بشأن أنشطتهم.
كذلك، فإن وجود نزاع إقليمي بين روسيا وأوكرانيا حول ملكية أي من الدولتين لشبه جزيرة القرم، وحق السيادة لأي منهما عليها، لا يعفي المملكة المتحدة من الالتزام بالامتثال لأحكام القانون الدولي بشأن المرور البريء. وحتى انطلاقاً من حقيقة تعاطف بريطانيا مع موقف أوكرانيا بشأن شبه جزيرة القرم، إلا أن أحكام القانون الدولي تلزم بالامتثال للقوانين التشريعية لأي من الدول المتنازعة تتضمن وجود منطقة خطرة للملاحة، وإلا فإن دولة العلم تعرّض بذلك سفينتها الحربية للخطر.
قبل ذلك، وفي عام 2018، كانت هناك الاتهامات التي أطلقتها بريطانيا، دون دليل واحد، سوى تعبير رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، تيريزا ماي، “هايلي لايكلي” Highly Likely (على الأرجح)، على تورط روسيا في “تسميم” العميل المزدوج، سيرغي سكريبال وابنته في منطقة سالزبوري بانجلترا.
لقد كانت روسيا في تسعينيات القرن الماضي ملعباً مفتوحاً لأنشطة بعض أجهزة المخابرات الغربية، أبرزها جهاز المخابرات البريطاني MI6، الذي كان يهدف إلى إحداث انهيار في الاقتصاد السوفيتي، ثم التغلغل والسيطرة على وريثه المنهك الاقتصاد الروسي. استخدمت تلك الأجهزة الشركات المشتركة والشركات خارج الحدود Offshore والأنظمة البنكية المختلفة في مرحلة الخصخصة المريبة التي جرت لكبريات القطاعات الصناعية الحيوية وكبرى المصانع ومراكز الطاقة، وحينها بدء بناء النظام البنكي الجديد في روسيا، وأفسح عدم اكتمال قوانين نظام السوق، من حيث الضرائب والرقابة على الأنشطة المالية، الطريق لضعاف النفوس والفاسدين في جهاز الدولة الإداري والمؤسسات الاقتصادية الانخراط في مخططات الغرب، لهدم الاقتصاد الروسي، وهي الأنشطة التي كان للندن نصيب الأسد فيها، حيث تم تهريب مليارات من العملة الصعبة في روسيا إلى البنوك البريطانية إلى الحد الذي أصبحت فيه لندن تتحكم في سعر الروبل الروسي إلى فترة غير بعيدة، حينما اتخذ النظام المالي الروسي إجراءات صعبة ومرهقة للتعافي من آثار تلك الفترة وما تلاها من تأثير بريطانيا على العملة المحلية والنظام الاقتصادي الروسي.
الآن، تخشى لندن التطبيع مع روسيا، لما سيتبع ذلك من عودة المليارات المهرّبة التي استقرت في البنوك البريطانية بشكل غير شرعي، ولا أبالغ إذا ما ذكرت أن تلك المبالغ المودعة في بنوك لندن تساهم بشكل مؤثّر في دعم النظام البنكي والاقتصاد البريطاني، بدلاً من استخدامها في دعم ازدهار النظام الاقتصادي في روسيا.
علاوة على ذلك، فقد استقر في بريطانيا، ويعمل على أراضيها بنشاط ملفت، كثير من الأوليغارشيين الروس، ممن تورطوا في جرائم اقتصادية ضخمة أضرّت بالاقتصاد الروسي، وصدرت بحقهم مذكرات توقيف من القضاء الروسي، وتم تسليمها إلى الإنتربول، إلا أن السلطات البريطانية تحميهم، بل وتبارك أنشطتهم المختلفة في دعم ما يسمى بـ “المعارضة الروسية غير النظامية”، التي تعمل بكل همة لاختلاق حالة وهمية من “الثورة الملونة” على غرار ما حدث في أوكرانيا وجورجيا ومولدافيا، دون أن تجد لها قاعدة جماهيرية تذكر، سوى بضعة آلاف من المواطنين هنا وهناك، لا يمثلون نسبة تتعدى الآحاد من الشعب الروسي.

على الجانب الآخر تقف إسرائيل حجر عثرة أمام أي تطبيع للعلاقات بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، حيث أن ذلك سوف يسهم في تعزيز دور هيئة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن والسعي الجاد والمؤثر لتنفيذ قراراته، والتي من أهمها في الشرق الأوسط حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه الشرعية، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وإيقاف الانتهاكات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني.
إسرائيل كذلك تقف حالياً، بكل فجاجة وصلف، أمام التوصل إلى توافق مع إيران بشأن الاتفاق النووي الإيراني، الذي سعت بكل أذرعها في واشنطن إلى الخروج منه أثناء حكم الرئيس السابق، دونالد ترامب. فهذا الاتفاق، ببساطة شديدة، خطوة لتطبيع العلاقات بين دول الجوار في المنطقة، وكذلك لتقريب وجهات النظر بين الدول العظمى بشأن مناطق التماس الملتهبة في الخليج والشرق الأوسط. وهذا الاتفاق كذلك هو خطوة على الطريق الصحيح لحلحلة إحدى المعضلات الأساسية في العلاقات الروسية الأمريكية، والروسية الأوروبية، والخليجية الإيرانية، والشيعية السنية، والوضع الداخلي في سوريا ولبنان واليمن.
في واشنطن، وما أن رفعت الأقلام في قمة بوتين بايدن، حتى اشتد الصراع الداخلي والانشقاق في المجتمع الأمريكي من جديد، ولا يدور الحديث فقط عن الصراع الأزلي بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وإنما حتى في داخل أروقة السلطة في البيت الأبيض، بين صقور وحمائم الديمقراطيين أنفسهم.
بين من يعانون من “رهاب الروس” و”مناهضة الروس”، وبين من يسعون لإرساء دعائم علاقات ندية متكافئة متوازنة تعتمد على احترام وقبول الآخر، بلا فوقية أو تعالي من أي من الطرفين، واستناداً إلى المصالح المتبادلة المشتركة في براغماتية باردة وكفى، بعيداً عن شعبوية الانتخابات ودغدغة مشاعر البسطاء، واحتراف الألعاب السياسية البهلوانية الانتخابية.
لا زال البعض في واشنطن يوهمون الأمة الأمريكية بأحلام الهيمنة المطلقة، والقرن الأمريكي، وأحادية القطبية، في عالم تجاوز فعلياً تلك المرحلة، وتركها وراء ظهره. من هنا جاء الرفض الأمريكي للمبادرة الألمانية الفرنسية لعقد لقاء لمنظمة الاتحاد الأوروبي مع بوتين، وأصدرت واشنطن تعليماتها الصارمة لعشرة دول من أصل 27 بوأد هذا الاقتراح في مهده. عشرة دول من “حلف وارسو” سابقاً، تجاور روسيا، وتستخدمها الولايات المتحدة الأمريكية لتعزيز قواعدها ضد روسيا.
وبعد ذلك تريد واشنطن، ويريد “العالم الغربي الحر” من موسكو أن تغض الطرف عن انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو. بمعنى أن الناتو، وبعد أن توسع شرقاً حتى مشارف الحدود الروسية غرباً، دون أن يلتزم بما وعد به “شفهياً”، نظراً لأنه لم يوقع على أوراق بذلك المضمون، يريد لروسيا أن تتنازل عن حقها الشرعي في الدفاع عن أراضيها وشعبها وسيادتها ووحدة أراضيها، وتسمح بمزيد من الاقتراب من حدودها ونصب قواعد عسكرية أمريكية على أراضي أوكرانيا. هكذا وبكل بساطة!
لا ترغب الأطراف الثلاث: لندن وإسرائيل وواشنطن في التوصل إلى أمن واستقرارا عالميين، وهي ليست معنية باحترام قوانين وميثاق هيئة الأمم المتحدة، وتضرب بعرض الحائط مقررات الشرعية الدولية من خلال ما أصدرته تحت عنوان مفهوم “النظام العالمي القائم على القواعد”، والذي تطرق إليه بإسهاب وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف في مقال له، نشرته مؤخراً جريدتا “كوميرسانت” و”روسيا في السياسة العالمية” الروسيتين. هذا هو الواقع المؤسف، تماماً كما حدث في التحالفات الأمريكية المختلفة في “الحرب على الإرهاب-1″ في أفغانستان، و”الحرب على الإرهاب-2” في العراق، حينما وضعت الولايات المتحدة الأمريكية قواعد ومعايير ونطاق التحالفات، دون أدنى اعتبار لما تنص عليه المواثيق والأعراف الدولية. والنتيجة ماثلة أمام حضراتكم في جميع تلك المناطق التي امتدت إليها يد هذه التحالفات.
فهل نأمل أن تفيق الدول العربية من التأثير المدمّر الذي تحدثه أوهام أحادية القطبية والهيمنة المطلقة على العالم؟ وهل تستطيع الدول العربية الغنية أن تتحكم في ثرواتها الموجودة في البنوك الأمريكية والبريطانية، والتي يتحكم فيها اللوبي المرتبط عضوياً بإسرائيل، وكان من الممكن أن تكفي لإنعاش الشرق الأوسط وأفريقيا وتحسين أوضاع شعوبها؟ بدلاً من وضع تلك الأموال والثروات رهناً لإرادة الكاوبوي الأمريكي، الذي يندفع نحو مغامرات دموية خطيرة، قد لا تحمد عقباها، إذا ما تجاوزت الخطوط الحمراء مع القوة النووية العظمى روسيا، التي لا زالت تمارس أقصى درجات ضبط النفس والدبلوماسية الحصيفة أمام رعونة غير مسبوقة من أقزام كانت ولا زالت دويلات صغيرة لا وزن لها، فأصبحت بحكم دورها كقفاز للولايات المتحدة الأمريكية، تشغل مساحات أكبر في الإعلام والسياسة، دون أن يقابل ذلك وزن حقيقي على الأرض.
لا يجب أن يلوم أحد روسيا إذن على ما تبرمه من اتفاقات وشراكات مع الصين، في وقت تحاول فيه واشنطن والناتو والاتحاد الأوروبي التصعيد ضدها ووضعها في خانة الأعداء. وما يمكن أن تقدمه الصين لروسيا، وروسيا للصين، قد يغيّر موازين القوى في العالم بشكل جذري، لا أعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية والغرب يريدون التفكير في تبعاته.
الكاتب والمحلل السياسي/ رامي الشاعر
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق