حين يصبح السلام تنازلاً عن العدالة
ليست المشكلة في أن يسعى لبنان إلى السلام. فالشعوب المنهكة من الحروب لا تحتاج إلى من يعلّمها قيمة السلام، ولا إلى من يذكّرها بأن الاستقرار حاجة وجودية، لا ترفاً سياسياً.
لكن المشكلة تبدأ عندما يُقدَّم السلام كأنه بديل عن العدالة، أو عندما يُطلب من الضحية أن تتنازل عن حقها في المحاسبة كي تُمنَح حقها في الأمن.
هنا لا نعود أمام تسوية سياسية عادية، بل أمام خلل أخلاقي وقانوني خطير يضرب جوهر فكرة الدولة، وجوهر القانون الدولي، وجوهر كرامة الإنسان.
فالدولة التي تُقصف، ويُقتل مدنيوها، وتُدمَّر قراها، وتُستباح أرضها، لا يُطلب منها أن تنسى. المطلوب منها أن توثّق، وأن تطالب، وأن تلاحق، وأن تُحوّل الألم إلى ملف قانوني وسياسي يحفظ حق الضحايا وكرامة الوطن.
أما أن يتحول أي اتفاق إلى باب لإغلاق ملفات الانتهاكات، أو إلى تعهّد بعدم اللجوء إلى المحافل الدولية، فذلك لا يصنع سلاماً. إنه يصنع سابقة خطيرة تقول للمعتدي إن القوة قادرة، في النهاية، على أن تفرض الصمت كما فرضت الدمار.
أي سلام هذا إذا كان ثمنه أن نتخلى عن حقنا في الحقيقة؟
وأي استقرار هذا إذا كان يقوم على دفن الذاكرة الجماعية تحت عنوان “الواقعية السياسية”؟
وأي رسالة نرسلها إلى العالم إذا كان لبنان، وهو الضحية، يتصرف وكأنه يخجل من المطالبة بحقه؟
إن العدالة ليست تفصيلاً قانونياً يمكن تأجيله إلى ما بعد التسويات. العدالة هي الضمانة الوحيدة كي لا تتحول التسويات إلى استراحة بين حربين.
فالجرائم التي لا تُحاسَب لا تنتهي. هي تعود بأشكال مختلفة، لأن الإفلات من العقاب لا يوقف العنف، بل يشجعه. ومن ينجو من المحاسبة اليوم سيعيد الحسابات غداً من موقع أكثر قسوة وثقة.
لهذا، فإن أي اتفاق لا يحفظ حق لبنان في ملاحقة جرائم الحرب، والمطالبة بالتعويض، وتثبيت المسؤوليات، هو اتفاق ناقص مهما حمل من عناوين براقة.
السلام لا يعني أن نكفّ عن المطالبة بالحق.
والواقعية لا تعني أن نقبل بالإذلال.
والدبلوماسية لا تعني أن نُفرغ القانون الدولي من معناه كي نرضي موازين القوى.
نعم، لبنان يحتاج إلى وقف النزيف. يحتاج إلى حماية أهله. يحتاج إلى إعادة الإعمار. يحتاج إلى أن يخرج من دوامة الحروب المفتوحة. لكن كل ذلك لا يجب أن يحصل على حساب حق الضحايا، ولا على حساب ذاكرة الناس، ولا على حساب مبدأ أساسي يقول إن حياة المدنيين ليست ورقة تفاوض.
الخطر الأكبر ليس فقط في نص اتفاق معيّن، بل في الذهنية التي تقبل بأن تُقايَض العدالة بالاستقرار، وكأن الشعوب الضعيفة لا يحق لها إلا أن تختار بين الموت والصمت.
وهنا تحديداً يجب أن يكون موقف لبنان واضحاً: نحن مع السلام، لكننا لسنا مع سلامٍ يُبنى على إنكار الجريمة. نحن مع الدولة، لكننا نريد دولة تحمي حق شعبها لا دولة تتنازل عنه. نحن مع الدبلوماسية، لكننا نرفض دبلوماسية تجعل الضحية طرفاً مطالباً بالتسامح قبل أن يعترف المعتدي بما ارتكب.
فلا سلام بلا حقيقة.
ولا حقيقة بلا محاسبة.
ولا محاسبة بلا إرادة وطنية ترفض أن يتحول القانون الدولي إلى أداة انتقائية تُستخدم حيناً وتُعطّل حيناً آخر.
قد تستطيع السياسة أن تفرض اتفاقاً، وقد تستطيع القوة أن تفرض صمتاً، لكن لا السياسة ولا القوة تستطيعان أن تصنعا سلاماً حقيقياً إذا بقيت العدالة أول الضحايا.
ولهذا، قبل أن نسأل ماذا ربح لبنان من أي اتفاق، يجب أن نسأل السؤال الأهم:
هل حفظ هذا الاتفاق حق لبنان وكرامة ضحاياه؟
أم أنه طلب من الوجع أن يصمت، ومن الدم أن ينسى، ومن العدالة أن تنتظر على باب المصالح الكبرى؟
خلودوتارقاسم
لبنان #عدالة #حق_مشروع




