
الشهداء والجرحى الذين ارتقوا وأصيبوا بالأمس لتقبيل التراب اللبناني، يُعمّدون لبنان بالدم الطاهر، ليبقى الوطن من حدوده إلى حدوده سيدًا حرًا مستقلاً.
وما قام به أهل الجنوب، تحت العلم اللبناني وبراياتهم الصفراء والخضراء، والدم الأحمر الذي روى الأرض العطشى المشتاقة إلى أهلها، يؤكد أن الشعب اللبناني لا يُهزم ولا يُكسر، لا من الشرق ولا من الغرب.
اليوم، على الأهالي الذين وصلوا إلى قراهم بدمائهم وأرواحهم أن يحافظوا عليها، ويفترشوها ربيعًا في فصل الشتاء. ومن لم يجد بيته، فلينصب خيمة أو يتلحّف السماء، رافعًا يديه بالشكر والدعاء لربٍّ قادرٍ مقتدرٍ عزيز.
أيها اللبنانيون في الجنوب، لقد دفعتم ثمن مواجهة الاحتلال الإسرائيلي حتى التحرير عام 2000، الذي اعتبره النظام العالمي نكسة، إذ كيف لشعب يحرر أرضه دون أن يسمح له بذلك؟
لذلك، قرر النظام العالمي محاسبة أهالي النصر والتحرير، وجعلهم عبرةً لمن يعتبر، بأن كل من يقف في وجهه سيُسحق. لكن إيمانكم الراسخ كالجبال بحريتكم وسيادتكم ثبت أقدامكم، كما أن هويتكم اللبنانية وأرواحكم الحسينية ودماءكم الجنوبية هي التي ميّزتكم عن كل ثائرٍ في هذا العالم، لأنكم نخبة العطاء والتفاني والتضحية والشجاعة، في زمن الخنوع والخوف والانبطاح.
يا شعب لبنان الجنوبي، ايها الابطال، أنتم عظماء وشهداء أحياء، كالشهداء الأوائل الذين واجهوا الظلم والطغيان، بدءًا من يسوع المسيح الذي قاوم تجار الهيكل في فلسطين، وصولًا إلى الشهيد السيد نصرالله الذي ارتقى وأبناؤكم معه ليزيح الظلم والاضطهاد عن شعب فلسطين، وليحمي كل شبر من التراب اللبناني والعربي.
يا أهل الجنوب، أنتم الورثة الحقيقيون لأسلافنا الفينيقيين، من هانيبعل الذي قهر أعداءه بعزيمته، إلى الشهداء الذين ارتقوا بالأمس، وبينهم أبطال المؤسسة العسكرية الذين شكلوا درعًا صلبًا لحمايتكم، فكانوا شركاء في مسيرتكم، يحملون امامكم ومعكم الأمل والشجاعة لعبور الطود العظيم من السواتر الترابية والأسلاك الشائكة التي نصبها المحتل الإسرائيلي. وما هي إلا لحظات حتى سقطت عند أقدامكم، شاهدةً على إرادة لا تُقهر وعزيمة لا تنكسر.
عليكم الانتظار لتحقيق كامل الانتصار، والإصغاء بعقل وقلب إلى رئيس الجمهورية ومن بايعتموهم ومنحتموهم ثقتكم في صفوف المقاومة وفي البرلمان. افتحوا مدارسكم في قراكم، وعودوا إلى أعمالكم بكل عزم وإصرار. من يملك محراثًا أو معولًا، فليزرع أشجار الزيتون والليمون، ولتتقاسموا الخبز والزيتون والملح كما تشاركتم الألم والجرح والدم، في سبيل أرضكم وسيادة وطنكم.
قال الرئيس العماد جوزاف عون، “إلى أهلنا الأعزاء في جنوب لبنان،
إن سيادة لبنان ووحدة أراضيه غير قابلة للمساومة، وأنا أتابع هذه القضية على أعلى المستويات لضمان حقوقكم وكرامتكم. الجيش اللبناني معكم دائماً، حيثما تكونون يكون ، وسيظل ملتزماً بحمايتكم وصون أمنكم. معاً سنبقى أقوى، متحدين تحت راية لبنان “.
وكما قال صادق الوعد، الشهيد الأقدس سماحة السيد نصرالله: “سنعود مرفوعي الرأس”، وها أنتم قد عدتم مرفوعي الرأس، دون مِنّة من أحد أو شفقة من أحد. عدتم لإيمانكم بأنفسكم، بجيشكم، بمقاومتكم، بصمودكم، بثباتكم، ببسالتكم، وبإصراركم، وهذا حقكم وهذه ارضكم.
ابقوا حيث أنتم، وعلى كل شبر ارفعوا علم لبنان، وقربه راية صفراء هي راية الانتماء.
انتبهوا وحاذروا وحذروا. لا تصغوا إلى الفضائيات والأبواق الاعلامية او السياسية التي تضللكم او تستفزكم او حتى تدفعكم الى ما لا يحمد عقباه، اصغوا فقط إلى صوت شهدائكم وأرواحكم التي هي أصدق من الجميع وأعرف من الجميع.
يا أصدق الناس وأشرف الناس وأطهر الناس وأشجع الناس وأوفى الناس، اليوم الشهيد السيد نصرالله من عليائه يتفاخر بين الأمم بكم، كما كل شهيد وهو ينظر إلى والده ووالدته أو أولاده ورفيقة دربه وأخته وأصدقائه، وهم يتسابقون لاحتضان الأرض التي سارت عليها أقدامهم.
يا شعب الجنوب، أنتم تروون اليوم الأرض بالدموع، وبالأمس القريب كان كل من آمن بكم من البقاع والشمال والجبل وبيروت وكل بقعة من لبنان يأتي ليستشهد دفاعًا عن إيمانكم، فرُويت الأرض بدماء كل اللبنانيين.
كل وطني معكم، كل شريف معكم، كل حر معكم.
يا شعب الجنوب، كل الطوائف اللبنانية مرت بما مررتم به، فالمسيحيون نُكّل بهم لقرون طويلة، وتعلموا وفهموا وتأقلموا، وأصبحوا يوازنون بين السياسة والقوى، ويميزون بدقة بين الشجاعة والتهور. حتى طائفة الموحدين التي عانت ما عانته لما يقارب 700 عام من ظلم واضطهاد، تعلمت وفهمت وتطورت، وهي صاحبة كتاب الحكمة والعقل. حتى شيوخها اسمهم “العقال”، وازنوا بين العقل والحكمة والمنطق والقوة.
يا أهلنا في الجنوب، ما فعلتموه وحققتموه خلال ربيع من أربعين عامًا عجزت عنه قبلكم شعوب وإمبراطوريات أن تحققه في قرون. حافظوا على مكتسباتكم، حافظوا على تضحياتكم، حافظوا على انتصاراتكم. ليس المهم من يبكي أو يضحك الآن، المهم من يفرح في الآخر.
يا اهلنا في الجنوب، وتذكروا دائمًا أن تحت كل حبة تراب من تراب الجنوب هناك حكاية وحلم لأناس رحلوا ليبقى من يبقى.
ومن بقي، عليه أن يستمر ليبقى من هم بعده.
أيها الأحرار في جنوب لبنان، أنتم اليوم تمثلون الأمل المتجدد لهذا الوطن، تحملون راية التضحية والفداء وتغرسون بذور الكرامة في كل شبر من ترابه. حافظوا على وحدتكم، وارفعوا رؤوسكم عاليًا، فأنتم الأمل والمستقبل. تذكروا أن كل دمٍ سال وكل تضحيات قُدمت هي أمانة في أعناقكم، ومسؤولية الحفاظ عليها تقع على عاتق كل واحدٍ منكم.
أنتم من أثبتم للعالم أن الحرية تُنتزع ولا تُمنح، وأن الشعوب التي تؤمن بحقها في الحياة والكرامة هي التي تصنع التاريخ. فليكن كل يوم لكم عرسًا للنصر، وكل فصل بداية جديدة تبنون فيها مجدكم وتحققون فيها أحلام الأجيال القادمة.
والسلام لكل من آمن بكم ووقف إلى جانبكم، والسلام عليكم أنتم، يا من جعلتم من جنوب لبنان منارة للصمود وشرفًا يزهو به الوطن.
بقلم ناجي علي امهز
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي موقع سانا نيوز شكرًا على المتابعة.






