مقالات

جيوبوليتيك الإقتدار: حرب تحرير الاقتصاد في ذكرى تحرير الأرض جهاد سعد

جيوبوليتيك الإقتدار: حرب تحرير الاقتصاد في ذكرى تحرير الأرض
جهاد سعد
وعشية ذكرى التحرير 25 أيار 2020 حقق محور المقاومة خطوته الأبرز في حرب تحرير الإقتصاد المقاوم من غرب آسيا إلى أميركا اللاتينية …. الغارقون في الأسى من حصار أميركا للبنان وإيران وسوريا وبقية الدول المخالفة أو الممانعة للسياسات الأميركية لا بد أن يتحرروا من كآبتهم ويشمروا عن سواعد الجد وهم يرون هذا المشهد المجيد والبواخر الإيرانية ترسوا على شواطىء فنزويلا بالقوة والعزم والإرادة …
عبرت السفن المحيط الأطلسي بالاتجاه المعاكس لتحررنا من عقدة الخوف من الشيطان الأكبر، ولتجمع جبهة المقاومة العالمية في تخطي غير مسبوق لحدود الوهم والجغرافيا السياسية: “ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا انهم لا يعجزون ” (الأنفال_59)… آية كان الإمام السيد موسى الصدر يستشهد بها دائماً لشحذ الهمم وبيان أن الشعوب الواثقة بقدراتها والمسلحة بالقيم والإيمان يمكنها أن تتخطى قدرات المستكبرين وتكسر شوكتهم مهما توهم الضعفاء في نفوسهم أن قدرهم أن يكونوا عبيداً.
إيران الإسلام تقولها بصراحة لعل المهزومين في نفوسهم يفهمون: تحرير الإقتصاد العالمي يبدأ في القرار والإرادة السياسية الحرة وليس فقط في ملعب الإقتصاد. وبالفعل إذا حللنا بعقل مستنير حقيقة ما يحصل اليوم من حصارات إقتصادية سنصل إلى نتائج تحرر العقول والقدرات والطاقات والإقتصاد والإرادة السياسية للدول المحبوسة في “شرنقة” صندوق النقد الدولي وسلطة الدولار.
لا نقول ما نقول من حماسة العشق للثورة والمقاومة، ولكنه “عقل العشق” الذي يتجاوز الإحباط والكآبة واليأس ليؤسس “بجرأة” العاشقين معادلات جديدة …فهللا فكرنا خارج “صندوق النقد الدولي” وهللا حررنا أنفسنا قليلا من الإجراءات التقليدية التي يمليها عليها المصرفيون والمحاسبون، لا لنصبح خارج العلم بل لنعود إلى المفهوم الحقيقي “للإقتصاد السياسي” ونتدخل في المفاهيم الأساسية التي عودتنا عليها الرأسمالية المتوحشة …
1_ كسر الحصار الإقتصادي قرار سياسي
تنشأ سلطة أميركا علينا من مجموعة من السياسيين والمصرفيين والإقتصاديين المؤمنين بأن ما تمليه أميركا علينا قدر لا بد منه، ولا يدرك هؤلاء حدود القوة الأميركية وما فيها من الواقع وما فيها من الوهم. تأمل مثلا عملية افتعال ندرة الدولار لإذلال العملة المحلية والكرامة الوطنية بدون أن نسمع أي تشكيك بالقيمة الفعلية للدولار في الأسواق العالمية، وهو عملة ورقية تطبع بدون تغطية ذهبية لا تساوي بضع سنتات عمليا، من قبل اقتصاد مديون ب23 تريليون دولار، باعتراف الرئيس ، ويتعرض اليوم لهزات عنيفة بفعل سوء إدارة الأزمة الصحية الناتجة عن جائحة كورونا هذا عامل من عوامل تحديد القيمة الفعلية للدولار لا يؤخذ بعين الإعتبار أو يتم تجاهله عمداً…
عامل آخر يؤثر على قيمة “المنحوس” هو البترودولار، نعني بذلك الزام الدول التابعة لأميركا ببيع نفطها بالدولار حصرا مما يزيد الطلب على الدولار لشراء النفط، هذا الطلب الذي تأثر بشكل عميق بفعل “العبقرية” السعودية التي أغرقت الاسواق حتى اصبح العرض أعلى بكثير من الطلب وامتلأت خزانات العالم من المخزون الإستراتيجي للسلعة بحيث سيبقى الطلب على النفط ضعيفا لشهور…رغم محاولات فاشلة لتعزيز سعر البرميل من جديد…ورغم ذلك لم يؤخذ هذا الامر بعين الاعتبار في سياسات مصرف لبنان الذي يحرص على سحب الدولار من السوق لافتعال الندرة.
لجأت دول عريقة في العالم لتبادل السلع بالعملة المحلية بقرار سياسي، كما لجأت إلى المقايضة بالمعادن النفيسة والسلع الإستراتيجية ولكن في لبنان هذا ممنوع بقرار سياسي لا علاقة له بالاقتصاد لنبقى بحاجة للدولار لتأمين السلع الأساسية …أما منع التبادل مع سوريا وإيران والعراق فمن المعروف أنه قرار سياسي بحت لا علاقة له بالاقتصاد …
من جهة أخرى هل يمكن فصل التشكيك بالثروة الغازية والنفطية اللبنانية بناء على ما حصل في البلوك رقم أربعة، عن الحصار الإقتصادي وعملية التيئيس الجارية على قدم وساق؟ كل خبراء العالم يقولون لا يمكن اعتبار هذا نتائج نهائية …بل ويقنعنا آخرون أن الغاز موجود فقط وفقط في البلوك تسعة المسروق من قبل الكيان الصهيوني لتوظيف عملية التنقيب عن النفط في إحكام الحصار بدل أن تكون مخرجا مشرفا منه…
المعلومة كما سمعناها أن طبيعة الطبقات الجيولوجية في الجنوب تختلف عن البلوك أربعة بدليل أن الصهاينة بدأوا فعلا باستخراج الغاز من حقول مشابهة…وهذا يعني بالسياسة أن نذهب للتفاوض مع العدو لنحصل على لقب دولة نفطية، وهكذا بسحر ساحر يسقط الحصار الإقتصادي ويصبح لدينا سلعة استراتيجية تؤمن غطاء لقروضنا، ويمكننا استخدام عقودها لشراء الأمان المالي المطلوب في “اسواق شركات التصنيف العالمية”.
لنفسر هذا الخيار أكثر : فإن المطلوب منا أن نهمش عناصر القوة الموجودة بأيدينا ونفاوض من موقع سياسي واقتصادي ضعيف باعتبار أننا دولة فاشلة، فعلها الفلسطينيون عندما فاوضوا في أوسلوا وتخلت قيادة منظمة التحرير عمليا “عن خيار المقاومة” وها نحن نشهد التمهيد لضم ما تبقى من الضفة الغربية وغور الأردن.. يعني لم يعد هناك شيء للتفاوض عليه…يعد عقود من المفاوضات العقيمة والتنسيق الأمني مع العدو… حتى الملك الأردني وجد أن عليه أن يهدد “بالصدام الكبير” لإدراكه عقم الخيارات الاخرى، وكل ما هو مطلوب منه في الحقيقة هو غض النظر عن بعض عمليات المقاومة عبر الحدود الأردنية الفلسطينية لحل مشكلاته الإقتصادية والإفراج عن المساعدات الخليجية…
فتح الحدود بين الدول العربية والإسلامية لتبادل السلع أو مقايضتها، مع اتاحة الفرصة لمقاومات عربية تتسرب إلى الداخل الفلسطيني ، هذا هو الحل لمشاكلنا الإقتصادية والسياسية والاستراتيجية بالمقابل يطلبون منك وأنت محاصر أن تحاصر نفسك وتقفل حدودك مع سوريا، من أجل ان يتكرم عليك صندوق النقد الدولي بخطة إفقار طويلة الأمد… هذا مصطلح جديد أن تحاصر نفسك مع عدوك بدل أن “تحاصر حصارك لا مفر وتضرب عدوك لا مفر..” كما قال محمود درويش.
والقرار للمرة المليون نقولها سياسي وليس اقتصادي، بما فيها قيمة الدولار في السوق. قالها الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري (رض) مرة وكأنه يتعجب لحالنا: “عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه”…
2_ تخفيف الحاجة إلى الدولار في مقابل افتعال ندرة “المنحوس”:
نحن ممنوعون من الانفتاح على سوريا وإيران والأسواق العربية لأن تأمين السلع الإستراتيجية ، وتسهيل التصدير سيخفف الحاجة إلى الدولار ويفضح افتعال الندرة. فلا مناص من اللجوء إلى محاربة حصارنا الإقتصادي بقرارات اشبه بقرارات الحرب قائمة على فتح الحدود وتيادل السلع وابتكار اساليب المقايضة للجميع بحيث نتجاوز أنظمة “سويفت” المسيطر عليها من قبل الشيطان الأكبر. أوروبا على نفاقها المعهود وجدت مصلحة لها في التفلت من “نظام السويفت” مع إيران ودائما إيران سباقة في إقناع الآخرين بالتخلص من سلطة الوهم.
إذا استمرت الأمور على ما هي عليه ولو لشهور فإن “برميل مياه لبنانية ” سيصبح أغلى من براميل النفط الخليجية ، هذه الثروة المهملة بالتلوث والفساد وسوء الإستثمار، المؤكد الآن أن الخليج سيحتاجها والأردن وإذا استمر التعاطي الرخو مع أثيوبيا فإن مصر “هبة النيل” قد تشتري المياه لا سمح الله. كتبت دراسات كثيرة عن حروب المياه فهللا تعاملنا مع مياهنا كثروة استراتيجية…. ومصدر لتدعيم عملتنا المحلية بسلة عملات أجنبية ومعادن نفيسة ليس بينها الدولار.؟؟؟؟
هذا من دون أن ننسى تجربة الصين في العملة الرقمية وهي اليوم بعيدا عن الدعاية الأميركية أكبر اقتصاد عالمي بالفعل، لا ببيانات المؤسسات المتأمركة التي تحرص تحت عنوان أنها دولية على تعزيز الوهم بقوة أميركا.
وإذا منعونا فإنه ليس أمامنا “إلا سيف أبو ذر” نشهره في وجه من يجوعنا ويتلذذ بتعذيبنا، وقد يستلزم الأمر بضعة مسيرات وخوف الأعداء يتكفل بالباقي…
3_ سفينة نوح وسفن إيران
عبرت السفن الإيرانية إلى حديقة أميركا الخلفية، فتحت حدودا كانت محرمة ، كسرت خطوطا كانت حمراء، وافتتحت اسلوبا جديدا في المواجهة سبب هذه المرة ارتجاجا في مخ إدارة ترامب نفسها…
قالها أمير المؤمنين يوما : “والله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ّذلّوا” حسنا اقتصادهم يحاصرنا هنا وسفننا تكسر الحصار هناك ، دخلت حصاراتهم بالفعل إلى كل دار ونشرت طوفان القلق في كل بيت، لعل سفن إيران برسائلها الجريئة تحمل معها بشارة السلام العالمي رغم أنف الأعداء … لعلها سفينة نوح القرن الواحد والعشرين من طوفان القلق الجوع والمرض الذي يجتاحنا بفعل فاعل.
ولا يتوهمن أحد أن ما يحدث هناك لا يؤثر علينا هنا، وإلا فإنه يحتاج إلى دروس في الجيوبولتيك الجديد الذي يصنع اليوم على يد أكبرمفكر استراتيجي في هذا العصر أعني به سماحة السيد القائد الخامنئي _دام ظله_ الذي يعلمنا كل يوم دروسا في “جيوبوليتيك الإقتدار”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى