
مَحَاوِر للمستقبل: وتبقى المياه لهب القرن المقبل
كتاب د. وليد عربيد عام 1995
يقلم
السفير الدكتور بطرس ديب
مقدّمةالكتاب
الدكتور وليد عربيد جامعي بارز، أكبّ، وهو في مقتبل الشباب، على البحث تحليلاً وتعليلاً، ولا سيّما في حقلَي السياسة والمجتمع، فعُرف بعمق التفكير وسِعَة الأفق والتجرّد، سواء أحاضَرَ في الجامعة أو في المؤتمرات والندوات، أو كتب في الصحف والمجلات. وأيًّا كان المجال الذي خاض فيه، فقد تمیّز نتاجه الفكري بطابع علمي صمد به للزمن، فلم ينل … حتی من كتاباته ذات الصفة الآنية. وحسبنا منها هذه المقالات الصحفية وقد نشرت لسنوات خلَت فقرّر جمعها وكان نعم القرار. نقرؤها اليوم فنخالها بنات الساعة أو أنها وُضعت منذ عهد قريب.
من تلك المقالات موضوع المياه في الشرق الأوسط وما فيها من إمكانيات اشتعال إقليمية لا تقل خطراً عن لهب النفط. الماء والنفط حديث الساعة اليوم، وقد زاده رواجاً أن مفاوضات الصلح العربية – الإسرائيلية دخلت مرحلة تعدّت فيها العموميات الى تفاصيل الواقع، فاحتلت مشاكل المياه مركز الصدارة وبدا الحديث عنها طبيعيًّا أو قل بديهيًّا. أما يوم كتب الدكتور عربيد في الموضوع وأفاض التفصيل، فلم يكن الأمر بعد قد بلغ حدّه الحالي من الإبتذال. فكان كاتبنا سبّاقاً في ميادين الريادة والنظر الى بعيد.
قصة المياه قديمة، تملأ تاريخ البدو والحضر. تنبّهت الأوساط الصهيونية المعنية بإنشاء كيان إسرائيلي لأهميتها فطرحتها، وإن بطريقة غير مباشرة، منذ عام 1919 أمام مؤتمرات الصلح التي عقبت الحرب العالمية الأولى، بمذكرة تطلب فيها جعل حدود فلسطين الشمالية على نهر الليطاني، لا إنطلاقاً من رأس الناقورة جنوبي هذا النهر. هذه الحادثة لم تفت الدكتور عربيد، فأشار إليها وعالجها بالتفصيل وبأسلوب حيّ لم تفقد معه “قصة الليطاني” شيئاً بسبب قدمها، لأن الكاتب أحسن الربط وأحكمه بين الماضي والحاضر، بل نظر الى مسألة المياه من زاوية واسعة الإنفتاح، يتّضح من خلالها تداخل حقول الإقتصاد والسياسة والمجتمع، وأهمية المياه في حياة الشرق الأوسط وبالتالي في سياسة حكوماته. وفي هذا السياق، تأتي الأحداث منساقة طبيعيًّا كما في الحديث عن حرب 1967 التي عطّلت سلسلة من المشاريع الزراعية في حوض نهر الأردن، بينما نشطت المشاريع الإسرائيلية، من جرّ المياه الى تحليتها تلبية لتزايد الحاجة المستمر. فليس من المستغرب أن يتعاظم التساؤل حول مطامع إسرائيل في مياه لبنان وفي الليطاني وفي روافد الأردن، وأن ينوّه الدكتور عربيد بالتصريحات الإسرائيلية القائلة بأن صدق نوايا السلام يتجلّى من خلال التفاوض على المياه.
ويوسّع الدكتور عربيد إطار البحث راجعة الى الجذور والسوابق السياسية التاريخية (معاهدة سعد آباد 1937، حلف بغداد 1955)، ومن خلال ذلك يطرح نظرية المطامع التركية في المنطقة وسعي أنقرة للعودة الى ساحة الشرق العربي ودخولها من الباب الواسع عن طريق سياسة مائية محكمة. من هذا القبيل يذكّر بمشروع أنطاكية الكبرى الهادف الى تخزين الأناضول لريّ منطقة الإسكندرون وأيضاً بعض الجمهورية السورية. وهنا أيضاً يأتي بناء سلسلة السدود في حوضي دجلة والفرات مع ما في ذلك من تهديد لمصالح سوريا والعراق وبالتالي من ضغط عليهما. علماً بأن الخطة تتعدى مثلث تركيا – سوریا – العراق الى سائر الشرق العربي وإسرائيل.
وهنا يتناول أهمية الزراعة في النشاط الإقتصادي في الشرق الأوسط، وتزايد السكان، وارتفاع مستوى الحياة، وطبيعة المناخ والأرض وما فيهما من عوامل الجفاف، وما يعنيه كل ذلك من ازدياد الحاجة الى المياه ومن تزايد خطر التأزم في العلاقات.
وينتقل الدكتور عربيد من مناطق الهلال الخصيب وما لها من امتداد طبيعي مباشر في شبه الجزيرة العربية، الى وادي النيل وما كان فيه من مشاكل بين مصر والسودان، يُضاف إليها الدور الذي تطمح أثيوبيا الى القيام به، وما كان من حديث المياه في الستينات يوم أنشئت قيادة عربية مشتركة بقيادة الفريق علي علي عامر. ويلفت الكاتب النظر الى التطورات الحاصلة حتى على صعيد المفردات والتعابير المستعملة كوقف التبذير في المياه، وتكريرها وتحليتها، ومكافحة التلوّث، واستخدام الطاقة الشمسية في كل ذلك…
وتبياناً لدقّة الوضع، ينتقي بعض الشواهد الناطقة ممّا صدر عن كبار المسؤولين يومذاك من قول الرئيس أنور السادات أن مصر لن تتردّد في إعلان الحرب على أثيوبيا في حال أساءت هذه الأخيرة سیاستها في موضوع نهر النيل، الى تأكيد مصادر أمريكية بأن لا سلام شرقاً بدون حلّ لمسائل المياه، الى تحذير بطرس بطرس غالي أنّ سبب الحرب المقبلة قد يعود الى الماء أكثر منه الى السياسة. مواضيع ماضية حاضرة، تكشف وقائع الماضي ومعاني الحاضر.
في إطار الوجود الإسرائيلي، يتطرّق الدكتور عربيد الى علاقة الدولة العبرية بالإتحاد السوفياتي السابق وبروسيا الحالية مع رجعة الى الماضي القيصري وكأنّه ماثل اليوم. وبهذه المناسبة، يستعرض استعراضاً معلّلاً موفقاً الوضع الداخلي في دولة السوفيات، وما انتابه من تقلبات في المرحلة الممتدة بخاصة بين حكمَي برجنييف وغورباتشوف وحنين روسيا الحالية الى أحلام القياصرة ولا سيما الجهة التوسع جنوباً، وما كان للجيش وما يمكن أن يكون له من دور في كل ذلك.
ويعالج بعض المقالات العلاقات السورية – الفرنسية وهي سجال. وهنا أيضاً رجعة الى الماضي توضح الحاضر، كإستعراض المراحل العصيبة الدقيقة التي مرّت بها علاقات البلدين خلال الحرب العالمية الثانية، والصراع على النفوذ في الشرق بين فرنسا وانكلترا، فيستنبط الثوابت وهي هي. ويجدر التنويه بفوائد التفاصيل التي يورد والتي قد تخفى على كثيرين من القراء، إما لكونهم لم يعايشوها، وإما لما أصبحوا فيه من بُعد عنها في زمن تزدحم فيه الأحداث ويتسارع التاريخ.
في كل جولة كان للبنان حصة. ولا غرو والدكتور عربيد لبناني أصيل، سليل بيت عريق، ولبنان دوماً في قلب مسائل الشرق، حتى من قبل أن تطرح “المسألة الشرقية”. لكن كان لا بدّ من تخصيصه بمجموعة مقالات تتمحور حوله. من هذه المجموعة، دراسة لمؤتمر الطائف وما صدر عنه من اتفاقات وتنظيمات.
وهنا أيضاً وسّع دائرة البحث فوضع عملية الطائف في إطار شمل لبنان المقيم والمغترب في آن، مقترحاً تدابير عملية غير مكتفٍ بالمبادئ والتمنيات العامة. وكذلك تناول النظام الإنتخابي وعلّل تعاقب القوانين الإنتخابية، ساعياً الى ديمقراطية حقّة يكون ولاء المواطن فيها للدولة، متمنياً سياسة تربوية حكيمة هي ضرورة في كل مكان وبخاصة في بلد كلبنان.
قد يرى البعض أن هناك شيئاً من الترداد لكن لا ننسيَن اننا أمام مجموعة مقالات کتبت في ظروف وأمكنة مختلفة. فكان لا بدّ من وضع القارئ، كلّ مرّة، في جوِّ الموضوع وإن كان في الأمر عَوْد.
وكذا القول في إعادة الكرة تأكيداً لخط ما من الأفكار. وهنا لا بدّ من التذكير أن من ميزات علم التاريخ ثوابت وان استنباطها يقتضي استعراض أحداث أي معطيات متشابهة أو بالتالي متكررة.
غير أن الموضوعية التاريخية لا تتعارض مع إبداء الكاتب رأيه. وأنت تجوب معه الآفاق، قد تشاطره الرأي، وقد لا. لكن أي الموقفين اتخذت، لا تستطيع الّا أن تحترم الرأي الذي تواجه، لأنه منبثق عن تفكير علمي وسعيٍ الى الحقيقة مجرد.
لبنان اليوم ومعه سائر العالم العربي بحاجة الى توعية شاملة. وهذه التوعية تقتضي تعبئة لا تقل شمولاً في شتى الحقول ومنها حقل القلم.
وغنيّ عن القول – الأقلام الجدّية المُجدية، حيث العلم والخبرة والشمول. الى هذه النخبة الميمونة ينتمي الدكتور عربيد. هذه النخبة لها علينا الدعم والتأييد. لقد هدرنا الى الآن من الطاقات والوقت ما لا يحصى ولا يجوز … أما كفى؟!
وفي ختام الحديث لا يسعنا الّا التنويه بالأسلوب واللغة، وأن الأمانة لتقتضي ذلك. إنشاء لا تعقيد فيه ولا ضعف، يسيل سلساً واضحاً، متين اللغة والمبنى، يتراءى لك من خلاله الأستاذ الجامعي مصدّقاً القاعدة القائلة إن الإنشاء هو الإنسان المنشىء.
بطرس ديب
سابقاً سفیر لبنان ورئيس الجامعة اللبنانية
والمدير العام لرئاسة الجمهورية






