مقالات

تعريف النخبة التي تفتقدها الطائفة الشيعية

بقلم ناجي أمّهز

النخبة لا تعني أن تكون كاتبًا أو فيلسوفًا، ولا حتى مليارديرًا، أو صاحب منصب رفيع في الدولة، أو تجيد عددًا كبيرًا من اللغات، ولا أن تكون رئيسًا أو شيخ عشيرة.
النخبة لا تعني أن تكون متحدثًا طلقًا، أو فنانًا أو ممثلًا ذائعة شهرتك في الكرة الأرضية.
النخبة شيء مختلف تمامًا يتعلق بأسس بقاء الشيء.
في كل عائلة كبرى حاكمة او اسست دولة، يوجد نظام عميق عمله الحفاظ على استمرارية هذا الكيان القائم وحمايته بناءً على قوانين صارمة جدًا لا يمكن تجاوزها.
وعملهم في هذه الكيانات هو البحث عن أشخاص يمتلكون اليات وتجارب النخبة، حيث يتم اختيارهم والعناية بهم من أجل استمرار المنظومة التي أنشأوها.
ولا يمكن صناعة النخب الا من خلال التجمعات الضخمة، لنفرض أننا نريد أن نصنع نخبة اولا يجب ان يكون لدينا ما يعرف بالرابطة الشيعية التي تضم اكثرية الشيعة المميزين باعمالهم ونتاجهم على اختلاف انتمائاتهم السياسية، ومن بين هؤلاء يتم اختيار عدد قليل للغاية على اسس العقل الاممي، فالنخبوي يجب ان يكون لا طعم أو لون أو رائحة له مثل الماء، هدفه فقط خدمة المجموعة التي ينتمي إليها.
قد ينزعج بعض الشيعة في لبنان من عبارة أنه لا يوجد لدينا نخب، وهذا الأمر طبيعي، لاننا لم نتعود على آليات صناعة الحكم وإنتاج النخب، حتى بعض الشيعة يخبرك أنه نحن موجودون منذ مئات السنين، ويحدثك عن قرية هنا وشخص هناك، مع العلم بأنه لولا الدعم الإيراني المادي والمعنوي والتدريبات والتجهيزات، وحتى الموقف السياسي على مستوى العالم، اضافة الى تضحيات بطولية خارقة للعادة قدمتها المقاومة، كنا نحتاج أقله إلى 500 سنة ليصبح لدينا كرسي، لا أن نجلس على الطاولة ونتحدث بالسياسة.
مثلا عندما اشتكى العراقيين انفسهم من حجم الفساد في العراق بظل الحكم الشيعي، قدمت مراكز الدراسات الامريكية والاوربية تعليلا وتبريرا تحت عنوان: ان سبب ازمة الحكم العراقية هو بسبب الاقصاء الطويل للشيعة عن الحكم والمؤسسات العامة، مما افقدهم الخبرة والقدرة على ادارة مؤسسات الدولة بعقلية الدولة.
في لبنان تعاقب 24 من رؤساء الحكومات من الطائفة السنية و13 رئيس جمهورية، خلال 81 سنة يعني بحال قسمنا 13 رئيسًا على 81 سنة نجد أن كل رئيس جلس 6 سنوات وشهرين وهي أرقام طبيعية جدًا نسبة إلى سنين الرئاسة الست.
بينما المجلس النيابي تعاقب عليه فقط 6 رؤساء مجلس نيابي، خمس رؤساء قبل الحرب الأهلية واتفاق الطائف، عندما كانت الرئاسة المارونية هي التي لها اليد الطولى بتنصيب رئيس المجلس النيابي.
وعلى الشيعة عدم الاستغراب من فقدان النخبة، الشعب الباكستاني يتجاوز الـ 250 مليون إنسان ولا يوجد فيهم نخبة، حتى روسيا فإن النخبة محصورة في عدد قليل للغاية من اليهود الروس، لذلك تسمعون دائمًا مقولة أن بوتين يساير إسرائيل كي لا يخسر المتمولين اليهود، ولكن بالحقيقة ثروة بوتين لوحدها هي أكبر من ثروة اليهود الروس مجتمعين..
كما أن القائد لا يمكن أن يكون نخبويًا،
السيد حسن نصرالله من أعظم أربع قادة في القرن الحادي والعشرين، انتصر على الكيان الإسرائيلي والمشروع التكفيري، واستطاع أن يفرض احترامه ومصداقيته حتى على أعدائه، وهو من القادة القلائل على مر التاريخ الذي قدم كل ما يملك في سبيل قضايا الوطن والامة.
لكن السيد نصرالله لا يمكن أن يكون نخبويًا، كما يوجد في حزب الله قيادات وإداريون من الطراز الرفيع للغاية، انما ليس مطلوبًا منهم أن يكونوا نخبة لأن اعمالهم لها نتيجة مباشرة على اداراتهم.
لان كما قلنا النخبوي لا راي له، بل هو الشخص الذي عمله تبرير الافكار التي يرفضها الاخر وتحويلها الى اراء يمكن تقبلها من الاخر دون تدخل من قادة المجتمع.
مثلا تتذكرون الضجة التي اثيرت بسبب انسحاب الحاج محمد رعد،من حفل عشاء أقيم في القصر الرئاسي اللبناني على شرف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بسبب وجود النبيذ.
النخبة عادة تاتي هنا في مثل هذه المفاصل، انت يمكنك ان ترسل نخبوي يحضر او يفاوض عنك حتى النهاية دون ان تخسر واحد بالمائة من قيمتك او مكانتك او حتى تسبب الاحراج لك وللذي تفاوضه او تلتقيه.
مثلا كاتب كتب مقال ضد الشيعة، بحال صمت الشيعة قد يتفاعل المقال وبحال ردت المؤسسات الشيعية الرسمية يعني ادخلت نفسها ومكانتها باحراج، اذا ياتي دور النخب الشيعية.
نحن في الطائفة الشيعية نفتقد إلى النخبة التي استبدلناها بالتقية، بسبب الاضطهاد الطويل الذي عشناه كما عاشت أفريقيا ويعيش العرق الأسود، حتى في أكثر البلدان تقدمًا وتحضرًا وديمقراطية، تجد أن العرق الأسود مضطهد رغم كثافة عددهم انما لا تاثير لهم بسبب فقدان النخبة.
والتقية فكرة ليست جديدة ولا بدعة جاءت بها الشيعة ولا أمراً مستهجناً ينكره العقل فلقد تكلّم عنها الفلاسفة وعلماء الأخلاق لا بعنوان التقية بل بعنوان: (هل الغاية تبرر الواسطة) وتكلم عنها الفقهاء وأهل التشريع في الشرق والغرب بعنوان: (هل يجوز التوصل إلى غاية مشروعة من طريق غير مشروع) وبعنوان: (المقاصد والمسائل) وتكلّم عنها علماء الأصول بعنوان (الأهم والمهم) واتفقوا على أنّ الأهم مقدّم على المهم، وهذه العناوين كلها تنطبق على التقية التي يقول بها الشيعة ولا تختلف عنها إلاّ باللفظ ولا عبرة باللفظ إذ المقصود هو المعنى
لكن اليوم التقية اصبحت بدائية في عصر العولمة وانتقال الصراع من صراع الاديان الى صراعات تحت عناوين مختلفة، لذلك تم تطوير فن التقية، حيث لم يعد بامكانك فقط النكران، بل تحتاج ان تكتسب الكثير من المهارات وفن الردود لتغلف افكارك بتقاطع المصالح ان كانت عامة او خاصة.
والنخبة هي اصلا شيء ضئيل وجوده، مثال ذلك، من بين 13 رئيس جمهورية لبناني غالبية الناس تتفق على واحد تقريبا.
في رئاسة الحكومات اللبنانية فقط 3 أشخاص لا يمكن تجاوزهم.
في الطائفة الدرزية فقط 3 أشخاص منذ 500 عام حتى يومنا هذا، ومنهم وليد بيك جنبلاط .
كمال جنبلاط كان قائدًا، استشهد ولم يتراجع عن كلمته، بينما وليد بيك نخبوي لين طري، لذلك هو قادر في كل لحظة أن يطرح فكرة ويتراجع عنها ولا يؤثر عليه، وقادر أن يكون معك ثم ينقلب عليك ثم يعود معك ثم يحاربك ثم يهادنك.
البعض يحاول أن يقلد وليد بيك بالتقلبات السياسية، ولكن هذا البعض لأنه غير نخبوي ولا يعرف القيادة، فتأتيه صفعة من هنا وصفعة من هناك.
في الختام النخبوي هو ذلك الكائن الطري اللين، الذي بدل يقي نفسه في فن التقية فانه يقي الامة التي ينتمي اليها، وغايته وهدفه استكمال دائرة المشاركة في تمرير القرار الذي يقرره صاحب القرار.

المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي موقع سانا نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى