
موازنة الأغنياء
يبدوا ان الطبقة الغنية وأصحاب الكارتيلات في لبنان مصرة على عدم تحمل المسؤولية في أنقاذ البلد وهي تحاول عبر موازنتها تحميل المسؤولية للمواطن الفقير بعد ان تجاوزت نسبة الفقر في لبنان 85 بالمئة .
هذه الموازنة خلت من البنود التي تؤكد على تحمل هذه الطبقة مسؤولياتها فبغضن النظر عن بنود تم الاتفاق عليها سابقا” لتبيان التضامن الوطني فقد اغفلت هذه الموازنة مادة ضريبة الثروة أو ما سمتها خطة الرئيس حسان دياب في موازنتها السابقة بضريبة التضامن الوطني والتي وردت في موازنة العام 2021 المادة 37 ، ومع ضألة النسبة التي تم الأتفاق عليها ألا أن هذه الطبقة ألغتها .
كما ألغت المادة 30 من موازنة العام 2021 والتي تلزم الدوائر أحتساب الضريبة على الرواتب والاجور بعد جمعها في وعاء واحد واحتساب الضريبة على هذا الاساس .
هذه الموازنة وزعت أيضا” مكرمات على الطبقة الغنية من خلال رفع عامل الاستثمار في المناطق الصناعية بنسبة 20 بالمئة دون أن تدفع ليرة واحدة كضريبة تحسين في اسعار هذه العقارات (المادة 100 ) .
لقد سعت هذه الموازنة الى أعادة أحياء القطاع المصرفي لكن من جيوب المواطنين وعلى حسابهم فهي تضمنت العديد من المواد منها :
المادة 96 : أعفاء الودائع الجديدة من ضريبة الفوائد لمدة خمس سنوات .
المادة 115 : فرض توطين رواتب القطاع العام والقطاع الخاص لدى المصارف وبالتالي تحميل المواطن عمولات متروك أمر تحديدها أستنسابيا” للقطاع المصرفي .
المادة 118 : تعديل ضمانة الودائع على الحسابات المصرفية من 75 مليون ليرة الى 600 مليون ليرة لبنانية على الحسابات بالليرة وبالعملات الاخرى .
المادة 132: الزام المصارف بتسديد قيمة الودائع الجديدة بنفس العملة وبناءا” على طلب المودع ظنا” منها أن هذه المادة يمكن أن تعيد الثقة بالقطاع قبل أعادة الهيكلة .
هذه الموازنة أغفلت الفوائد التي تتقاضاها المصارف على توظيفاتها في سندات الخزينة بالعملتين الليرة اللبنانية والدولار الاميريكي ، كما أغفل قيمة الفوائد التي تتقاضاها المصارف على توظيفاتها في شهادات الايداع لدى مصرف لبنان ، هذه التوظيفات والتي تمثل في الاساس ودائع المواطنين اللبنانيين الذي تم تجميد حساباتهم وتم توقيف أحتساب فوائد عليها الا لبعض المحسوبين والمقربين وبالتالي فهي اليوم تسدد ما يفرض عليها دفعه للمودعين بموجب التعميمين 151 و 158 من هذه الفوائد .
لقد أغفلت هذه الموازنة ذكر ضبط التهريب الذي يحصل عبر الجمارك اللبنانية والتي يقدر قيمتها بأكثر من مليار دولار وهو يمكن أن يتصاعد مع رفع الرسوم الجمركية ، ولم يأتي على ذكر الاجراءات المطلوب أعتمادها لوقف هذا التهريب .
كما أغفلت هذه الموازنة الاجراءات المطلوب أعتمادها لوقف التهرب الضريبي لكنه في نفس الوقت ألزم البلديات كل في نطاقها (المادة 119) بأجراء جرد للمحلات التجارية والمؤسسات الصناعية وتزويد وزارة المالية بنتائج المسح والجرد .
أما بالنسبة لموضوع الضرائب والرسوم فقد كانت هذه الرسوم قاسية جدا” على المواطنين دون أن تقدم أي نوع من الحماية الأجتماعية ، وتم حصر موضوع معالجة موضوع الأجور بالقطاع العام فقط حيث نصت المادة 135 على اعطاء منحة شهرية لمدة سنة أعتبارا” من 01/01/2022 ولغاية 31/12/2022 لجميع موظفي الادارات العامة مهما كانت مسمياتهم الوظيفية بالاضافة الى المتقاعدين الذين يستفيدون من معاش تقاعدي .
أما الطامة الكبرى فهي في البندين 26 و27 الواردين في الجدول رقم 1 تحت عنوان اعتمادات قانون موازنة عام 2022 ، والتي تضمنت ما يلي :
– نفقات مشتركة بقيمة 12.797.000.000.000 ليرة لبنانية
– أحتياطي موازنة بقيمة 9.410.141.909.000 ليرة لبنانية
– المجموع : 22.207.141.909.000 ليرة لبنانية
– ما يعادل : 44.93 % من أجمالي الموازنة
لقد بلغ بند أحتياطي الموازنة المصادق عليها لعام 2020 مبلغ 565 مليار ليرة لبنانية بينما في موازنة 2022 مبلغ 9410 مليار ليرة ، فأي عقل يمكن أن يقبل أحتياطيات ونفقات غير محددة بنسبة 44.93 بالمئة وكيف لصندوق النقد الدولي أن يقبل بهكذا موازنة غير واضحة .
كما خفضت موازنة 2022 نسبيا” موازنات الوزارات التي يمكن ألاعتماد عليها لتفعيل الاقتصاد ولا سيما وزارة الزراعة والتي بلغت حصتها من الموازنة العامة 0.24 بالمئة ، وموازنة وزارة الصناعة 0.02 بالمئة ووزارة السياحة 0.04 بالمئة ، علما” أن هذه الموازنات بمعظمها هي رواتب وأجور .
كيف يمكن لهكذا موازنة أن تكون أنطلاقة جديدة نحو مفاوضات جدية مع صندوق النقد الدولي والذي يؤكد على عدم قبول عجز في الموازنة في حين العجز فيها يبلغ حوالي 39.61 بالمئة أذا ما أضيف أليها سلفة الكهرباء والبالغة 5250 مليار ليرة ، وكيف يمكن لهذه الموازنة أن تتحقق وهي ستؤدي حتما” الى أنهيار القدرة الشرائية للعاملين في القطاع الخاص وبالتالي المؤسسات الصحية الضامنة لهذا القطاع .
يبدوا أن الطبقة السياسية في لبنان لا ترى ألا نفسها في لبنان وهي لا ترى 70 بالمئة من حجم العمالة في لبنان وهي نسبة العمالة في القطاع الخاص الذين سيتضررون بنسبة كارثية جراء أرتفاع أسعار السلع والخدمات العامة ، فهل هذه الطبقة ستحكم نفسها فقط بعد القضاء على ما تبقى من مجتمع ومن مواطنين مقيمين في لبنان .
د. عماد عكوش







