قدس محمد الدرة كتبها ناجي امهز عام 2008

قدس محمد الدرة
كتبها ناجي امهز عام 2008
وقفت امام ضجيجها صامتا احاول ان اكلمها ,
ولكنها لم تستطع سماعي
كانت هي ايضا صماء ,
حوار صعب ولغة مفقودة , وتراتيل مهجورة في صدى اصوات المرعوبين.
اشرت اليها وانا مبتسم :
– لماذا لا تتكلمين ؟
قالت :
– مشغولة .
استغربت هل تسكت القضية , هل تنام عيون المقاومين , هل تسقط البندقية .
عجبا .
ولكن السماء كتبت انهم القادة ..
علموها ان تصمت , لأنها ان تكلمت سيقتلون ابناءها , وسيقذفون السيدة العذراء بأقذر التهم, بل سيكذبون المعراج, ويرمون كل من ينطق بالحقيقة بالسجن المبني من احجارها, بعد ان يبتروا له يده, ويسلبونه هويته المقدسية.
غريب هذا الكلام يا قدس …
انهم يقولون بانك اثمن ما يملكون
انظري اليهم .. اسمعيهم ..
هناك التباس واضح بخصوص هذه التهمة ؟
الملايين يسقطون عند محاربك , عقود وازمنة تدخل صومعتك للتعبد من اجل حرية وقيامة الانسان , انت المهد واللحد والمعراج ..
اني اشك بان تكوني رخيصة علينا .
لماذا تغمضين عينيك , لما تشيحي بوجهك عني ؟
ارجوك افهميني يا قدس , انا لا استطيع ان اصدقك , رغم كل ما تحتويه , لأني لا استطيع ان اكذبهم , انهم حكامنا العرب وهم فوق العروش , لانهم حكام يحكمون , يكنزون الخيرات , وبالملايين يتحكمون , بل ان امريكا نفسها معهم , تحميهم , تقويهم , تمكنهم , تمتعهم , واحيانا تقاتل بالنيابة عنهم , وتحاكم من يحاكمهم . انت مخطئة يا ( قدس ) ..
بالأمس دخلنا عام 1948 , قالوا لنا نحن كل شيء بــ ( فلسطين ) ,
نحن اهل السماء , اصحاب الزهور , مالكوا خيرات الفصول الاربعة …
القدس لنا , لأننا اقوى من الاقوياء وسنبقى هنا .
قادتنا لا يخدعوننا , وان كنت لا ارى سوى نفسي هنا , وبالرغم من ذلك علي ان اصدقهم .
لا تغضبي يا قدس فانا لم ابلغ الحلم , ولم اتعلم فن السياسة .
سامحيني ….
بعد عشرين عاما قررت الرحيل .. ركبت طائرة الغربة الوطنية وحملت معي حلم الهوية العربية , وتوجهت الى مكان استطيع فيه ان اصرخ .. ان اتعلم الذكريات حيث الحروب مجرد افلام تعرض في دور السينما ,.
والسياسة تقوم بها احزاب , تغير الزعماء بأوراق بيضاء توضع في صناديق سوداء وكأنهم يمارسون السحر ,
اما في عالمنا العربي تختلط الالوان ويبقى الزعيم !
تموت الشعوب وتقضم الاراضي كي يبقى الزعيم !
تسجن المدن , يحبس الهواء تشتعل الاشجار ليفرح الزعيم !
تسقط كل الاوراق بل يسقط الخريف نفسه وتبقى ورقة الزعيم !
يتكلم باسم الله ويحكم بسيف سطوته , ويقول الدين لله والوطن للجميع , ومع ذلك يأخذ الجميع ,لأنه الزعيم …
بعد مرور الوقت تذكرت اهلي ورفاق ..
زارني الشوق وشدني الحنين , للحي العتيق الذي يحمل الكثير من عشقنا , حيث كنا نلهو فوق اغصان اشجاره فكنا نحطمها بطفولتنا , وكانت بساتين الزيتون تستغيث من شقاوتنا .
كنا نذهب للينابيع بحجة اقتراب صلاتنا فنسترق النظر وبنات الحي يغسلون ( المواعين )
كنا نفرح كل مساء عندما نقترب من تلك القبة لأننا سننظفها من الغبار المتراكم عليها ونأخذ اجرنا مكرمين متنعمين ,
بل غالبا ما كنا نتحجج بالتنظيف كي نسرق طعام خادم المسجد لأنه كان يجعلنا نكنس الساحة كي تبقى نظيفة للمصلين .
ذات يوم كان نائما _ او هكذا اعتقدنا _ فما ان امتدت يدنا حتى قفز صارخا , فأخذنا نركض .. ولقد وقعت يومها ممزقا عباءتي وجارحا قدمي فاخذ يلطم وجهه ويوبخني قائلا :
لماذا لا تطلب مني فانا على استعداد ان اقدمه لك مع عصير الخروب … يا بني السرقة حرام .
والمفارقة بان عمره سرق على يد ابن احد الاقطاعيين من اجل قطعة ارض مقاسها يساوي قبرا .
نعم بل سرقوا الاسرائيليين ساحة المصلين بأكملها وجعلوها نظيفة تماما الا من دماء اطفال كنا بأعمارهم .
هل تعلمون ؟
انه شيء غريب اكرر هذه الامور وانا مغترب عن مدينتي اغترابا قسريا , ولم اذكره وانا في طياتها ..
هل هو الحزن الممزوج بالألم مع احلام الطفولة .
هذه الذكريات جعلتني مشتاقا اليك ايتها ( القدس ) السجينة .. مشتاقا الى دروبك المرصوفة برائحة الانسانية العظيمة واختلاف الديانات … لصوت المآذن في عمق الكنائس , لنسمع اجراس الرهبة في التعايش الابدي .
فلسطين ,
ايها الوجع الذي لا ينتهي , والحزن الابدي والدم الازلي …
يا تاريخ الثورة في الوجدان الاممي , يا حاضر الثورة ومستقبل الانتصار القومي .
انك قضية الاحرار على مر العصر المتحجر عند ابوابك , محطمة العروش بعد الانهزام العربي بصمودك , تجسدين تضحيات الابطال في الحرية من اجل كرامتك , بعد ان تفضحي التخلف المقيت في عقليات الطغاة باسمك , المصابين بتخمة لحوم ابناءك , المنبطحين عند ابواب خمارات اعدائك , ليتزعموا كفاحنا وهم سكارى على مائدة كفاحك ,
فينهزموا ويهزموننا في ليلة ظلماء سوداء ؟
لقد رايتهم يا قدس ؟
رايتهم يا قدس عندما استشهد ( محمد الدرة ) !!!!!!
كانت محطاتهم تبث كل انواع الفيديو كليب , يرقصون يفرحون يطبلون يضحكون يقهقهون …
ورايتك تبكين دماء اطفال الحجارة في كل شوارع الموت…
سمعتهم يستنكرون العدسات التي التقطت المشهد لأنه جرح مشاعرهم القاتلة المقتولة بحفنة من الدولارات , ويتأففون من المشهد وهم يقفزون فوق كراسيهم المصنوعة من عظام الشعوب المقهورة المسجونة في اوطانها , انهم اشباه الرجال بل من فئة التماسيح لذلك كان صوتهم اقوى من صوتك ,
لان صوتك كان يئن بالسكون الهارب ؟
كيف لي ان اعود يا ( قدس ) او احترم الحكام العرب , كيف يمكن ان ادخل شوارعك وانا اسمع صراخ ( محمد الدرة ) وهو يختبئ خلف والده في لحظة رعب لم يبلغها عقل بهذا العمر …
رغم صغره تعلم الموت .
نعم يا قدس … ملامح وجهه … انهمار دموعه … استشعاره بانه مفارق والده ..
لقد رسم بالهواء والاثير صورة يد ممتدة مع صرخة لا , ستبقى حية في ضمير كل كائن حي , ولكنها ستستثني الزعماء العرب !!!
اعذريني يا قدس على دموعي لأني نسيت ان اخبرك :
لقد تم التعويض على ابي محمد الدرة , فقد اصبح ليده منزل كبير يوجد به كل شيء الا ( محمد ) وهناك رصيد بالبنك لا يستطيع ان يشتري به الالعاب لــ
) محمد (!!!
الم اخبرك …؟
ابو ( محمد ) حزين مثلك يا ( قدس …(
صامتا مثلك يا ( قدس ) لأنه نسي اللغة العربية !
يا قدس الاقداس كنت اتمنى ان اعود .. ولكني خجل ,
فلم انجح بعملي ,
تقدمت من وظيفة حارس فرفضوني قائلين لو تجيد الحراسة كنت حرست القدس .
ذهبت لأعمل على محطات الوقود طردوني قائلين هل تريد ان تستفيد من ثرواتك الطبيعية .
حاولت ان اعمل امين مستودع , اعذريني لا استطيع ان اخبرك ماذا قالوا !!!!!
ولكنهم قبلوا ان يمنحوني اللجوء شريطة ان يخلعوني منك , واعطوني راتبا لا يكفي ان ارسل الى اهلي ثمن كتاب فيه صورتك ,
ولكني قرات بان بعض العربان دخلوا موسوعة اغنى الاغنياء , وهم بالتأكيد سيقدمون كتبا واقلاما وخبزا … وهذا الامر يطمئن قلبي قليلا , مع العلم عندما سأل الاعلام الأغنياء العرب عنك , اجابوا بانهم لم يدرسوا كتب الجغرافيا !!
وقد اخبروني بانك انزعجت من قمة (سوريا) , لغياب ثلثي القادة ولعدم التوصل الى ادنى درجات التفاهم بين المجتمعين …
وعلمت بانك لم تتابعي مقررات القمة , لذلك لم تسمعي ماذا قرروا بشان العراق ولبنان .
سأخبرك : بعد ان سالت صديقي عن الذي حصل بالقمة ولماذا غابوا وغيبوك ,
غابوا لانهم لم ولن يستطيعوا ان يقولوا لسيدهم في واشنطن لا؟
ولا ان يقولوا لإسرائيل توقفي عن قتل الاطفال لانهم شركاء في السياسة .
غابوا خجلا من المقاومة التي حررت لبنان , واعادة الاسرى , وابت الا ان يدفن شهدائك الابطال في روضات العز والبطولة والايمان , فانتزعتهم من اسرائيل نزعا ,
بينما جيوشهم الكرتونية تغط في سبات عميق ,
غابوا لان اولادهم في السياحة يلفون العالم بحثا عن عاهرات , ويصرفون اموال الشعب الجائع على الملذات .
بينما ابن البطل السيد حسن نصرالله شهيد من اجلك ,
نعم يا قدس صدقي ابن هذا الرجل استشهد من اجلك ومع ذلك يريدون ان يحاسبونه , لأنه يدافع عنك , يريدون ان ينزعوا سلاحه لأنه يقاوم باسمك .
ولكنهم لم يستطيعوا فغابوا ,
اما العراق فلا تسالي , وصفحاتي هذه لا تستطيع ان ترد الجواب .
على كل حال , الحمد لله انهم غابوا لانهم لو اجتمعوا لاجتمعوا عليك وعلى مقاومتك , لانهم عبيد , فهم يكرهون كل الاحرار الشجعان ,
انهم تجار وكانوا سيبيعونك بثمن بخس.
لذلك لن ينجحوا او يسجلوا نصرا واحدا لان شرفك يأبى ان يتحرر الا على ايدي المؤمنين .
قدس : ان الكلام لا ينتهي والشمس اصبحت على وشك الشروق , وانا منذ 60 عاما اكتب نفس الكلام .
في الختام تصبحين على حرية ولك الف سلام , لان المؤمنين اصبحوا على ابوابك وما عليك الا ان تستقبليهم .
القدس 2008 ناجي امهز



