
كنت صغيرة وكان العيد بالنسبة لي ولأخوتي هو حدث ننتظره من السنة الى السنة لأن العيد كان يعني لنا الفرح واللعب والملابس الجديدة والعيدية والألعاب والسينما يللي كنا نحضرها عرض متواصل من 10 إلى الوحدة ومن الوحدة إلى التلاتة ومن التلاتة إلى الستة … بس للحقيقة كانت الفرحة الكبيرة هي تياب العيد يللي كنّا نرتبهم على التخت قبل النوم…
لم نكن نرمي دهدورة الخبز وكانت أَنَّ “ستّي” الله يرحمها تقول لنا كل حبة رز تحتوي على مية مرّة من سورة الإخلاص في القرآن الكريم، إيّاكم أن ترموا حبة الرز.. هيدا يمكن كان حال معظم الأشخاص يللي بعمري …تغيرت الدنيا وأصبحت الناس من كل الطبقات تتصرف بإسرافٍ غير مُقدّرة للنِّعم التي تُحيطها. أصبحنا نُقيم الولائم ونتبجح فيها ونرمي باقي الطعام في الزبالة…
فأصبحنا نشترلي الثياب والهدايا والكماليات الغير لازمة كل ما سنحت لنا الفرصة. صار لازم كل يوم يعملوا الاولاد activity وكل يوم لازم نفكرلهم بشي :حتى ماتتعب نفسيتهم ويتعقّدوا”… وهكذا تحوّلت ثقافة هذا العصر فلم يعد هنالك أهمية لا لهدية ولا لتياب العيد ولا لنشاط ولا لمفاجآت فأولادنا تعوَّدوا على الحصول على كل شي واعتبروا إنو الأهل مجبورين يأمنولهم تسليتهم أحلى ما يعجئوا فوق راسهم فالأهل ايضا مش فاضيين وعندهم اهتماماتهم المجتمعية السطحية أيضا والتي أصبحت أساسية بحيث أن بعض النساء ممكن أن تترك بيتها وأولادها إذا لم يُأمّن لها زوجها شيء ما من الكماليات كما وأصبحت حال الكثير من الرجال الذين يتفاعلون ويعطوا أهمية لسطحية الأمور وهذا كلّه ادّى إلى سقوط أهم قيمة في تكوين مجتمع صحيح وهي العائلة المتماسكة ….
كنّا قد تحوّلنا إلى شعوب سطحية سخيفة وركّزنا على من يرتدي أغلى مجوهرات وتسابقنا على شراء آخر صيحات الموضة حيث من الممكن أن يكون سعر الفستان الواحد يكفي لإطعام خمسين عائلة لمدة شهر.
اعطينا قيمة للإنسان على أساس مظهره وسعر صبّاطه….. تداولنا مقولات خبيثة شريرة ليست من شِيَم أهل منطقتنا ولكنها زُرعت بيننا لتُعزّز الأنانية والدمار للنفس والمجتمعات مثل: “بعد حماري ما ينبت حشيش ” ” إذا شفت الأعمى طبُّه مالك أرحم من ربّه”… وهكذا انشغلنا في سطحيات الأمور وابتعدنا عن قِيمنا الجميلة من النخوة والشهامة والكرم ورص الصفوف والسؤال عن الجار وكثيرا من القيم التي شكّلت الشخصية العربية وشخصية منطقتنا بالتحديد… وهكذا استطاع السرطان أن يدخل بين ثنايا صفوفنا وإلى داخل بيوتنا ففكّكنا قطعة قطعة وتغلغل في كل زاوية من حياتنا ليقضي علينا… بينما مجتمعات أخرى أصبحت تتسابق مع الوقت لكي تبني نفسها واعتمدت البساطة عنوانها العام ولكنها اتكّلت على ما آلت إليه أمورنا لكي تستعملنا أسواق استهلاكية لمنتوجات تُرضي غرورنا وابعدتها كل البعد عن الثقافة المجتمعية لدُوَلها.
وها نحن الآن نعيش أزمة محلّية مهولة كما وأصابت العالم صدمة شلّت حركتها وعطّلت حياة الترف والإسراف والshow off الذي اجتاح عقول الناس وخصوصا في لبنان ومنطقتنا العربية…
وها نحن اليوم هنا! وقعنا… الجزّارون حولنا يتسابقون من الذي سوف يذبحنا وأتصوّر سيكون ذبحه حلالاً لأننا نستأهل ما يحصل لنا!
ولكن إذا نظرت من زاوية ثانية قد أقرأ الحكمة الربّانية التي أطعمنا إيّاها رب العالمين واعطانا فرصة ثانية لإعادة النظر في تصرّفاتنا مع أنفسنا، أهلنا، مجتمعنا ومع وطننا.
لربّما هي فرصة لنا لإعادة الأمور إلى نصابها وإعادة القيم إلى أهلها لكي تعود اللُّحمة والمحبة والوعي والاهتمام لمد يد العون لجاري الذي هو من دمّي.
لربما هي فرصة لك ولِيَ لكي نلجم إسرافنا في إهمال أنفسنا وقيمة أخلاقنا.
لربما هي فرصة لنا لكي نُركّز على ما هو مهم لإعادة بناء الإنسان في وطننا….
الخطوة الأولى هي في الاتحاد! هذا ليس شِعار ولكنّه الطريق الوحيد للخلاص!
خلود 2/7/2020







