اخبار دوليةاخبار سياسيةمقالات

سياسة بلا أخلاق”

 

كتب: أكرم بزي.

لعل من حسنات فترة حكم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هو كشف المستور في السياسة الأميركية تجاه الشعب الأميركي أولاً وشعوب الدول الأخرى من خلال السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية، فقد أظهرت هذه السياسات انعدام الأخلاق في قمة الهرم السياسي بأكمله، حتى كادت أن تصبح سمة السياسة الأميركية في السنوات الأربع الماضية، ولعل الهدايا الأميركية للكيان الصهيوني ومعاملة الشعوب الأخرى بكل صلافة وعدم مراعاة حتى الشكل، بل الاستفزاز، من خلال القتل المتعمد، او من خلال الاحتلالات المتفرقة في العالم أجمع، أو من خلال فرض العقوبات حتى التجويع ضارباً بعرض الحائط كل حقوق الإنسان وكل المبادىء الإنسانية والأعراف الديموقراطية التي كانت تتغنى بها على مرالتاريخ.
جاءت جائحة “كورونا” لتزيد الطين بلة ولتضيف الى سجلات الهرم السياسي الأميركي اخفاقات لا مثيل لها على مستوى النظام الصحي والاجتماعي والأخلاقي، من خلال الاستهتار بحياة السود والبيض على حد سواء، ففي عقل الرئيس الاميركي لا قيمة للبشر أمام المال، فكل ما يهمه هو كسب المزيد من الدولارات، فالجشع كان ديدنه وانعدام الأخلاق وقلة الاحترام حتى تجاه افراد أسرته على ما ظهر في أكثر من وسيلة إعلامية أميركية، ناهيك عن التهتك والاستهتار بأقرانه من السياسيين ومن الذين عملوا معه في طاقمه. لم يسبق أن كان هناك رئيسٌ أمريكيٌ يستخدم، وهو في منصبه، صفاتٍ من قبيل “نصاب” و”مجنون” و”مريض نفسياً” و”محتال”، لمهاجمة معارضيه، وحتى ممن كانوا يعملون معه وخالفوه الرأي أمثال جون بولتون وإن كان الأخير منعدم أخلاقيا أيضا. لا بل وفي أحد المرات وقف على المسرح أمام الجمهور وقلد أحد المعوقين لأنه وجه إليه سؤال ينتقده فيه.
يقول الصحافي ديفيد روبسون (بتصرف): “لعل الشعب الأميركي، لم يعد يأبه للمثاليات في التعامل السياسي، مثالاً على ذلك وفي هذا الصدد بجلسة الاستماع التي شهدها مجلس الشيوخ الأمريكي بشأن اتهامات التحرش الجنسي الموجهة للقاضي بريت كافانو، وهي الجلسة التي لم تؤدِ سوى إلى التأكيد على الانقسامات السياسية العميقة التي ابتليت بها الولايات المتحدة. أظهر استطلاعٌ أجرته مؤسسة غالوب لاستطلاعات الرأي أن الإفادة التي أدلى بها كافانو خلال جلسة الاستماع هذه لم تُحْدِثْ أي اختلاف في نسبتي التأييد والمعارضة بين الأمريكيين لتعيينه في المحكمة العليا، رغم أن الإفادة وُصِفَتْ بأنها “دعوةٌ مُفعمةٌ بالغضب إلى التحرك والمواجهة”، بل إن القاضي الأمريكي وصف نفسه لاحقاً بأنه كان “حاداً وعنيفاً” و”ثائرا عاطفياً” للغاية خلال إدلائه بها وبعد أقل من أسبوعين من الجلسة، تم تأكيد تعيين كافانو في المحكمة العليا بالولايات المتحدة، وهو ما جعل البعض يرى أنه لم يعد يجدر بالمرء أن يكون أقل عنفاً أو شراسةً في التعبير عن رأيه في مثل هذا المناخ السياسي بالغ الاستقطاب”.
وما يسمى “فرضية اللحوم الحمراء”، وهي (لجوء سياسيٍ ما إلى التفوه بإهاناتٍ شخصية بحق خصومه، بإلقائه لحوماً حمراء إلى أنصاره لالتهامها والنهش فيها)، وفقاً لهذه الفرضية، قد يرى أنصاره أن التعليقات التي تفتقر إلى الدماثة والتهذيب ليست سوى انتقادٍ صادقٍ وحقيقيٍ وموثوقٍ به، يعبر عن مشاعرهم هم أنفسهم. وفي ظل حالة الاستقطاب السياسي المحتدمة حالياً، ربما يتماشى سلوكٌ كهذا على نحوٍ خاصٍ مع انعدام ثقة المؤيدين المتحمسين لتيارٍ سياسيٍ ما في خصومهم السياسيين.
واذا صدق ان هذه الفرضية تعمل بها بعض نخب السياسة الأميركية تجاه بعضها البعض، فما بالك بالأساليب التي يلجأون اليها بالتعامل مع الخصوم، لا بل مع الشعوب الأخرى، والتي ينظر اليها غالباً كمجموعة أرقام ليس إلا، وخاصة شعوب العالم العربي التي ينظر اليها من قبل هذه “النخبة” كأنها مجموعة من “حثالة البشر”، أو “الدواب” ليس أكثر، وما الطريقة التي استعملها الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال زيارته للعالم العربي، وطلبه المال من حاكميها بالطريقة الفظة خير دليل على اثبات هذه الطريقة، هذا بالعلن، فكيف بالسر او تحت الطاولة.
سُئلت وزيرة الخارجية الاميركية مادلين اولبرايت في عهد الرئيس بيل كلينتون عن الحزب الديموقراطي بعد غزو العراق: “هل هذه الحرب تستاهل قتل مليون طفل عراقي لا ذنب لهم، أجابت بكل وقاحة: نعم”. وهذا ديدن نخب السياسة الأميركية تجاه الشعوب الأخرى ولا عجب، فالتاريخ يشهد على ذلك. وللأسف هناك في منطقتنا وفي مجتمعاتنا ما زال مقتنعاً بعناوين السياسة الأميركية وملتصقاً بها، لعله يلعق بعض ما تبقى من زبالتهم إذا بقي حياً.
ما يجري في عالم السياسة اليوم، هو السفالة بعينها تجاه التعامل مع الآخر، لا فرق طالما أن المتحكم لن يتضرر فلا يهمه ماذا تكون عاقبة هذا الآخر.
“اذا صلح الشعب صلحت الحكومة” فكيف اذا كان الشعب والحكومة فاسدان… هنا الكارثة الكبرى.

(الكاتب اكرم ناظم بزي صحافي وباحث لبناني، يكتب في الادب والسياسة، عمل رئيساً لتحرير موقع إنارات.نت وفي الصحافة اللبنانية والعربية، لا سيما في دولة الكويت، عضو جمعية الصحافيين الكويتية 2002، ونقابة مخرجي الصحافة اللبنانية شارك في موسوعة العلوم السياسية لجامعة الكويت.)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى